297

Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn

شرح رياض الصالحين

شرح حديث: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته)
كذلك من الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة).
يذكر في هذا الحديث العظيم أن الله ﷿ عند ظن عبده به، فالعبد لا يظن بالله إلا الخير، فإذا به يعمل الخير، والله ﷿ يعطيه الأجر على ذلك، ويكون عند ظن هذا العبد، فإذا أساء العبد وعلم أن الله غفور رحيم فتاب إلى الله ﷿ وأصلح حاله مع الله، وأصلح حاله مع الخلق، وأحسن الظن بالله أنه يتجاوز عن سيئاته، ويغفر له ذنوبه فهو عند ظنه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني) في أي مكان يذكر الله ﷿ فإن الله ﷿ معه.
قال النبي ﷺ: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، يفرح الله ﷿ بتوبة العبد إليه، والعبيد عبيد الله سبحانه، فلو شاء لأهلكهم وهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو شاء لأعطاهم سبحانه ﵎ ولا ينفد ما عنده.
وهنا انظروا إلى العبد الذي خلقه الله، فإن الله به رحيم سبحانه، يفرح بتوبته، فإذا فرح بتوبة العبد هل تتخيل أنه يفرح بتوبته ثم يعذبه سبحانه ﵎.
ولذلك يقول: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، وفي رواية أخرى أن هذا الإنسان الذي وجد ضالته في الفلاة: (كان عليها طعامه وشرابه، فإذا بهذه الناقة تنفلت) أي: تهرب منه وتضيع منه في الفلاة، (فأيقن بالهلكة)، لأنه لا ناقة له يرحل عليها، ولا طعام يأكله، ولا شراب يشربه، فجاء تحت ظل شجرة ووضع يده تحت رأسه ونام مستسلمًا للموت فاستيقظ من نومه فوجد الناقة أمامه، (فاستيقظ ووجد ضالته أمامه، فإذا به يفرح فرحًا عظيمًا، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح) فهذه فرحة هذا العبد حين وجد ضالته، ولله ﷿ المثل الأعلى.
وهنا يفرح الله سبحانه بأن العبد يتوب إليه أشد من فرح أحدكم إذا ضل منه شيء في فلاة فوجده، فإذا فرح الله ﷿ بتوبة العبد هل نظن أنه سيحاسبه ويعذبه؟ الله سبحانه ﵎ أرحم بعبده.
يقول النبي ﷺ عن ربه: (ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا).
والجزاء من جنس العمل، فإذا تقربت من الله ﷿ فإن الله يتقرب إليك، ولكن كيف ستتقرب إلى الله؛ هل ستصعد بسلم إلى السماء؟ لا، وإنما تتقرب إلى الله بالعمل، والعمل يرفع إلى الله ﷿، فإذا تقربت بالعمل فإن الله ﷿ يتقرب إليك بجزاء هذا العمل، فأنت تتقرب إليه شبرًا والثواب يكون عشرة أمثال، وأضعافًا مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه ﵎.
فالمعنى: كلما تقربت إليه بعمل أعطاك ثوابًا جزيلًا عظيمًا لا يخطر على بالك، (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا).
والذراع معروف.
والباع: هو فتح اليدين، أي: يعطيك أكثر مما تقربت إليه سبحانه ﵎.
قال: (وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)، والهرولة بمعنى: الإسراع للطاعة، فإن الله يسرع إليك بالثواب.
وفي الحديث الآخر: (إن الله لا يمل حتى تملوا) فيمل العبد، وحاشا لله أن يمل سبحانه، ولكن المعنى هنا أنه يقطع عنك الثواب والأجر حين تمل أنت من العبادة، فأنت تبادر وتسارع إلى الطاعة، والله يسرع إليك بثواب هذه الطاعة، أي: في الدنيا والآخرة، فإذا مل العبد وترك الطاعة انقطع عنه هذا الثواب حتى يراجع الطاعة مرة أخرى.
وفي رواية للحديث قال: (وأنا معه حين يذكرني).

29 / 11