349

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

لإرادتنا؛ لأن الإرادة إن كانت صفة بها يرجح الفاعل أحد المتساويين، ويخصص الأشياء بما هي عليه من الخصوصيات يلزم من وجود الإرادة لنا كون الترجيح، والتخصيص صادرين منا، وهو المطلوب، وإن لم يكونا صادرين منا لا تكون الإرادة إلا مجرد شوق فيجب أن لا يقع فرق بين الاختيارية، والاضطرارية التي تشتاق إليها كحركة نبضنا على نسق نشتهي أن تكون عليه لكنا نفرق بينهما، ونعلم أن الأولى بفعلنا لا الثانية.

...................................................................... ..........................

فإن قيل: تنقل الكلام إلى صدور الإيقاع عن الفاعل، قلنا: يجب بطريق التسلسل في الإيقاعات بناء على أنها ليست بموجودات حتى يستحيل التسلسل فيها أو بطريق عدم التسلسل بناء على أن إيقاع الإيقاع عين الإيقاع أو لا يجب أصلا، وهو الظاهر لما مر من أن إسناد الأمور اللاموجودة، واللامعدومة كالإيقاع مثلا ليس بطريق الإيجاب بل بطريق الصحة، والاختيار فإن الإيقاع، وعدمه متساويان بالنظر إلى اختيار الفاعل فهو يختار الإيقاع أي وقت شاء ترجيحا لأحد المتساويين باختياره، وإن أريد الثاني أي الفعل بمعنى الإيقاع فلا جبر أيضا؛ لأنه يصدر عن فاعله لا بطريق الوجوب إذ لا يلزم من ذلك الرجحان بلا مرجح بمعنى وجود الممكن بلا موجد إذ لا وجود للإيقاع، وإنما لم يشر المصنف رحمه الله تعالى هاهنا إلى بطلان طريق متسلسل، ورجحان طريق عدم الوجوب اعتمادا على ما سبق في المقدمة الثالثة.

قوله: "فالآن جئنا إلى إثبات ما هو الحق" قد، ورد في الحديث أن القدرية مجوس هذه الأمة، والمجوس قائلون بإلهين: أحدهما مبدأ الخير، والآخر مبدأ الشر، وهذا يلائم القول بكون خالق الشر، والقبيح غير الله تعالى، وأيضا قائلون: بأن الله تعالى يخلق شيئا، ثم يتبرأ عنه كخلق إبليس، وهذا يلائم القول بكون الله تعالى خالقا للشرور، والقبائح مع أنه لا يرضاها فبهذين الاعتبارين ينسب القدر كل من الطائفتين إلى الأخرى، والمحققون من أهل السنة على نفي الجبر والقدر، وإثبات أمر بين الأمرين، وهو أن المؤثر في فعل العبد مجموع خلق الله تعالى، واختيار العبد لا الأول فقط ليكون جبرا، ولا الثاني فقط ليكون قدرا والمصنف رحمه الله تعالى أورد على ذلك دليلين: الأول حاصله أنه ثبت بالوجدان أن للعبد قصدا، واختيارا في بعض الأفعال وأن ذلك القصد، والاختيار لا يكفي في وجود ذلك الفعل إذ قد لا يقع مع تحقق جميع أسبابه التي من العبد، وقد يقع من غير تحقق الأسباب التي من عنده فعلم أنه حاصل بخلق الله تعالى إياه عقيب إرادة العبد، وقصده الجازم بطريق جري العادة بأن الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد، ولا يخلقه بدونه، وباقي الكلام تنبيه على تلك المقدمات، وتوضيح لها، ولقائل أن يقول: خوارق العادات، وعدم وقوع المرادات مع توفر الدواعي، وسلامة الآلات لا ينافي كون العبد هو الموجد لفعله الاختياري لجواز أن يكون المؤثر قدرته، واختياره لكن بشرط أن لا يريد الله تعالى عدم وقوع الفعل حتى لو أراد العبد شيئا، وأراد الله تعالى خلافه يقع مراد الله تعالى ألبتة لا مراد العبد لانتفاء شرط تأثيره فلا يلزم من ذلك أن يكون فعله بخلق الله تعالى على ما هو المدعى.

Page 349