Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "وإن لم يكونا صادرين منا لا تكون الإرادة إلا مجرد شوق" هذا الكلام غير صالح وأيضا نفرق في الاختياريات بين ما نقدر على تركه، وبين ما لا نقدر على تركه كانحدار إلى صبب بالعدو الشديد الذي لا نقدر على الإمساك عنه، وكذا نفرق في الترك بين ما نقدر على الفعل، وبين ما لا نقدر أيضا قد نفعل بداعية، وقد نفعل بلا داعية فعلم أن العلم الوجداني قاض بأنا نفعل من غير اضطرار، ولا وجوب، ونرجح أحد المتساويين أو المرجوح، وهذا الترجيح هو الاختيار، والقصد ثم مع ذلك نشاهد خوارق العادات في صدور الأفعال كالحركات القوية من القوى الضعيفة كقطع مسافة بعيدة في طرفة عين، وأمثاله، وكذا في عدم صدورها كما تواتر في أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصديقين أن الكفار قصدوهم بأنواع الأذى فلم يقدروا على ذلك مع سلامة الآلات، وتوافر الدواعي، والإرادات مع قدرتهم في ذلك الزمان على أمور أشق من ذلك فعلم أن المؤثر في وجود الحركة أي الحالة المذكورة ليس قدرة العبد، وإرادته إذ لو كان لم يخالف إرادته، ولو كان مؤثرا طبعا فيما جرى عليه العادة لم يوجد خوارق العادات، وأيضا لا تمكن الحركات إلا بتمديد الأعصاب، وإرخائها، ولا شعور لنا بشيء من ذلك، ولا ندري أي عصبة يجب تمديدها لتحصيل الحركة المخصوصة، وكذا لا شعور لنا بكيفية خروج الحروف عن مخارجها فعلم من وجدان ما يدل على الاختيار، ووجدان اختيار العبد ليس مؤثرا في وجود الحالة المذكورة أنه جرى عادته تعالى أنا متى قصدنا الحركة الاختيارية قصدا جازما من غير اضطرار إلى القصد يخلق
...................................................................... ..........................
للإلزام فإن المحققين على أن الإرادة في الحيوان شوق إلى حصول المراد، وداع يدعو إلى تحصيله لما يعقل أو يتخيل من ملائمته، وما ذكره من أنه يجب أن لا يقع فرق بين الاختيارية، والاضطرارية التي يشتاق إليها ليس بلازم؛ لأن المراد الاختياري ما يكون مع صحة تعلق الإرادة به يصح تعلق القدرة به، وستعرف أن الفعل قد يكون متعلق الإرادة دون القدرة، وبالعكس.
قوله: "نفرق في الاختياريات بين ما نقدر على تركه، وما لا نقدر" فإن قيل: كيف يستقيم هذا، والاختياري ما يتمكن فيه من الفعل، والترك قلنا نعم، ولكن قد ينضم إليه ما يمنع التمكن من الترك كمثل الأثقال إلى المركز بالطبع في صورة الانحدار إلى صبب، وهو ما انحدر من الأرض، وكذا نفرق في الترك بين ما نقدر على فعله كترك الحركة في الأرض المستوية، وبين ما لا نقدر على فعله كترك الحركة في البناء العالي، وأيضا قد نجد في الفعل الاختياري باعثا عليه، وداعيا إليه من أنفسنا كالمشي إلى محبوب بخلاف المشي إلى مكروه.
قوله: "كقطع مسافة بعيدة في طرفة عين" لا نزاع في جواز ذلك على الأنبياء، وقد تواتر عن الأولياء أيضا إلا أن بعض الفقهاء ينكرونه.
Page 350