329

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

تفسير قوله تعالى: (القارعة)
قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣]، القارعة مشتقة من القرع وهو الضرب بشدة، ومنه قول القائل: العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد:٣١]، وتطلق القارعة على المصيبة الشديدة، فالله ﷿ سمى يوم القيامة القارعة؛ لأنها تقرع الناس بأهوالها كما أخبرنا رسول الله ﷺ بأن الهول يبدأ من القبر في قوله: (من مات قامت قيامته)، فالذي في القبر يرى ما لا عهد له به، أما المؤمنون فإن الله يثبتهم، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [إبراهيم:٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] أي: حسيس النار ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٢ - ١٠٣]، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قوله تعالى: «مَا الْقَارِعَةُ» الاستفهام هنا للتهويل والتعظيم.
قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ هذا خطاب موجه إلى غير معين؛ لزيادة التهويل.
يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وفي هذه الآيات عدة مؤكدات تبين هول ذلك اليوم، أولها: الافتتاح بالجملة الاسمية ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١].
ثانيها: الاستفهام الذي يفيد التهويل.
ثالثها: الإظهار في مقام الإضمار لأول مرة.
يعني: قال الله ﷿: «الْقَارِعَةُ» ثم قال: «مَا الْقَارِعَةُ»، وفي غير القرآن يمكن أن يقال: القارعة، ما هي؟ لكن الله ﷿ أظهر في مقام الإضمار: «الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ» ثم الاستفهام الثاني وتوجيه الخطاب إلى غير معين، ثم الإظهار في مقام الإضمار مرة ثانية، فلم يقل: وما أدراك ما هي؟ بل قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ فتكرر اسم القارعة ثلاث مرات، وهذا كله من باب التهويل والتفخيم والتعظيم لما يحصل في ذلك اليوم.

22 / 3