538

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

تملحت بما يخالطها من المادة المحترقة من (1) البدن. وماء البحر قد يملح بقريب من ذلك.

فإذا (2) كانت ملوحة البحر لهذه العلة ولغاية هى حفظ مائة (3) عن الأجون ، ولولاه لأجن ، (4) وانتشر فساد أجونه (5) فى الأرض ، وأحدث الوباء العام. (6) على أن ماء البحر يأجن (7) إذا خرج من البحر أيضا ، وإنما ينحفظ بعضه (8) بمجاورة (9) بعض وبمدد التمليح (10) الذي يصل إليه.

فلهذه الأسباب كان (11) الغالب فى البحر مالحا. إنما العذب منه قليل. وطبيعته (12) حارة تلهب (13) النار فوق أن تطفئها ، (14) ثقيلة لذاعة للمغتسل به ، أكالة (15). وإذا تميز منه العذب فليس بسبب الأرض ؛ (16) بل (17) بسبب عيون ذكرناها ، وإلا لأصلحتها (18) الأرض الطيبة إذا جعل فيها (19) له (20) مصانع. (21)

فبين من هذا أن جميع أجزاء الماء قابل للاختلاط بما يتصعد من الأراضى ، ومنفذ لما ينفذ من القوى السماوية. (22) فليس للبحر طبقات.

وأما اختصاص البحر فى طباعه بموضع دون موضع فأمر غير واجب ؛ بل الحق أن البحر ينتقل فى مدد لا يضبطها (23) الأعمار ، ولا تتوارث فيها التواريخ والآثار المنقولة من قرن (24) إلى قرن (25) إلا فى أطراف بسيرة وجزائر صغيرة ؛ لأن البحر لا محالة مستمد من أنهار وعيون تفيض (26) إليه ، وبها قوامه. ويبعد أن يكون تحت البحر عيون ومنابع (27) هى التي تحفظه دون الأنهار. (28) وذلك لأنها لو كانت لوجب أن يكثر عددها جدا ، وأن لا تخفى (29) على (30) ركاب البحر ؛ بل إنما تستحفظ (31) البحار بالأنهار التي مصبها من نواحى مشرفة عالية بالقياس إلى البحر.

Page 208