Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الطبيعيات من كتاب الشفاء
فإن هاهنا مراى (1) لا يشك فى وجودها (2). وسواء (3) أخرج (4) من البصر شىء فانعكس عن المرآة إلى المرئى ، أو كان تأثير من المرئى فى الرائى بواسطة المرآة ، فإن الأحكام التي نحن فى اعتبارها متفقة ، لأن الأشكال والخطوط التي ترتسم (5) فيما بين ذلك تكون واحدة. فلهذا ما لم يشاق المعلم الأول فى هذا الموضع من كتابه ، بل استعمل انعكاس البصر ، إذ كان ذلك أشهر وأعرف ؛ وإذ لم (6) يكن بين القول فى الحس والمحسوس بعد ، فجرى (7) على المشهور.
وأما تحقيق هذه الجملة ، ففى الفن الذي يلى هذا الفن. وقد حاول قوم من الطبيعيين تعليم أسباب هذه الخيالات السحابية ، محاولات متكلفة بعيدة (8) من العقول ، أحوجهم اليها ما هو متشدد فيه من التعصب على أصحاب الأشعة من الرياضيين ، والتصلب فى مذهب المشائين مع القصور عن الواجب من البصيرة ، فصاروا الى جانب من المحال أشد من القول بالشعاع. حتى (9) قال بعضهم : إن الهالة شكل تموج يقع فى السحاب لصدمة (10) نور النير أو لتحليله (11) وسطا وتركه أطرافا (12) متساوية البعد عن الوسط ، وغير ذلك من أقاويل لا يقولها إلا من يتوهم أن الهالة مستقرة فى سحاب معين.
فنقول الآن : إن الفرق بين الصور الحقيقية المنطبعة فى موادها وبين خيالات الأشباح التي يظن أنها فى المرايا (13)، أن هذه تنتقل مع المنتقل ، والحقيقة (14) تلزم مواضعها. وهذه يتخيل أنها تقرب مما يقرب من المرئيات مواجها لها فى المرايا (15) وتبعد مما يبعد عنها ، وتلك تلزم مواضعها. وهذه توجد متخيلة (16) فى ظواهر أجسام صقيلة ، (17) وتلك لا تكون كذلك. وإذا كان الجسم الصقيل (18) مشفا ، (19) ورأى (20) مشفا (21) بالفعل ، لم يمكن أن يرى عليه هذا الخيال. فإذا رؤى (22) عليه الخيال لم يؤد ما وراءه ولم يكن (23) مشفا بالفعل (24) حينئذ بالقياس إلى ما وراءه. وإن كان وراء
Page 43