Silsilat al-Ādāb
سلسلة الآداب
Regions
Syria
الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: سنتحدث اليوم -إن شاء الله تعالى- عن أدب آخر من الآداب الشرعية التي حفلت بها هذه الشريعة المطهرة، ألا وهو (أدب المصافحة والمعانقة والتقبيل) ولاشك أن هذا الأدب مما يحتاج إليه خصوصًا عند لقاء الإخوان وعند المقابلة، وكذلك مع أهل العلم ومع الأقارب، وقد جاء في المصافحة والمعانقة والتقبيل عدة أحاديث عن النبي ﷺ، وعن أصحابه، وعن السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وسنذكر بعض هذه الأحاديث مع التعليق عليها، وذكر بعض ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة.
فأما بالنسبة لهذه الآداب فقد ذكرها عدد من أهل العلم في كتبهم، ومنهم بعض الأئمة الستة في مصنفاتهم، وذكرها كذلك البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: الأدب المفرد، فقال: باب مصافحة الصبيان، عن سلمة بن وردان قال: [رأيت أنس بن مالك يصافح الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثًا، وقال: بارك الله فيك].
وعن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن قال النبي ﷺ: قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوبًا منكم) وهم أول من جاء بالمصافحة.
وقد صح موقوفًا ولم يصح مرفوعًا عن البراء بن عازب ﵁ قال: [من تمام التحية أن تصافح أخاك] وقد روي مرفوعًا لكنه ضعيف.
وأما بالنسبة للمعانقة فقد ذكر البخاري ﵀ في باب المعانقة عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ابتعت بعيرًا، فشددت إليه رحلي شهرًا حتى قدمت الشام -أي سافر شهرًا كاملًا من أجل سماع الحديث- فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابرًا بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم.
فخرج فاعتنقني -وهو موضع الشاهد، هذا قادم من سفر فخرج إليه أخوه الصحابي الآخر فاعتنقه- قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت -أي: قبل أن أسمعه منك- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يحشر الله العباد -أو الناس- عراة غرلًا بهمًا، قلنا: ما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد أحسبه قال: كما يسمعه من قرب) وهذا من عجائب يوم القيامة أن الله ينادي الناس بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، فإن العادة جرت أن البعيد يسمع أضعف من القريب، والقريب يسمع أشد من البعيد وأوضح، لكن الله ﷾ عندما ينادي يوم القيامة ينادي بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب.
يقول ﷾: (أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهمًا -ليس عندنا شيء حتى الثياب- قال: بالحسنات والسيئات) ورواه البخاري أيضًا تعليقًا في الصحيح، ورواه موصولًا هنا في الأدب المفرد بإسناد حسن.
وذكر ﵀ حديثًا في باب الرجل يقبل ابنته، وذكر في باب تقبيل اليد، عن عبد الرحمن بن رزين، قال: [مررنا بـ الربذة، فقيل لنا: هاهنا سلمة بن الأكوع، فأتيته فسلمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله ﷺ، فأخرج كفًا له ضخمة كأنها كف بعير -لأن سلمة ﵁ كان رجلًا ضخمًا قوي البنية- فقمنا إليها فقبلناها].
حديث حسن الإسناد.
هذا ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى في موضوع المعانقة والمصافحة والتقبيل.
أما بالنسبة لما رواه غيره من أهل العلم أو رواه هو -أي البخاري - في صحيحه فقد جاءت هناك أحاديث كثيرة، فمن ذلك على سبيل المثال: ما ورد في رواية الصحيحين في حديث كعب بن مالك ﵁، قال: [فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـ طلحة].
الشاهد من الحديث قوله: [صافحني] عندما لقيه قام إليه فصافحه.
وأما ما ورد أيضًا في سنن أبي داود، ولكنه حديث مرسل فيه ضعف، وفي الرواية: عن رجل من عنزة أنه قال لـ أبي ذر حيث أخرج من الشام: (إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله ﷺ، قال: إذًا أخبرك به إلا أن يكون سرًا، قلت: إنه ليس بسر، هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ ولم أكن في أهلي، فلما جئت أخبرت أنه أرسل لي، فأتيت وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود وأجود) لكن هذا الحديث في سنده ضعف.
ومن الأحاديث التي جاءت عن أهل اليمن -أنهم أول من جاء بالمصافحة- ما رواه أبو داود ﵀ بالإضافة لما تقدم مما سمعناه في الأدب المفرد للبخاري ﵀، قال أبو داود: روي عن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله ﷺ: جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة) المصافحة معروفة قبل أن يأتي أهل اليمن، لكن أول من أفشاها ونشرها هم أهل اليمن، كما ذكر شراح الحديث.
وكذلك من الأحاديث التي وردت في هذا، ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة (أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب، قال: فانبجست -أي: فانخنست فاغتسلت، لم يصافح أبو هريرة النبي ﷺ لما لقيه وهو على جنابة، ذهب ورجع إلى البيت واغتسل- ثم جئت، فقال: أين كنت؟ قال: إني كنت جنبًا، قال: إن المسلم لا ينجس) تحرج من النبي ﵊ وهو على جنابة، فلما سأله النبي ﵊ لماذا ذهب وأخبره بما وجد من الحرج، وأنه ذهب ليغتسل، قال ﵊: (إن المسلم لا ينجس).
وقد وردت عدة أحاديث في هذا الموضوع، وقال الترمذي ﵀ بعد سياق الحديث: وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأسًا، ولذلك عنون بعضهم في كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، والمقصود بهذه الترجمة أن الجنب ليس عليه بأس أن يصافح غيره.
ومما ورد في فضل المصافحة وما فيها من الأجر العظيم، ما رواه أبو داود وغيره عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) وقد رواه الترمذي رحمه الله تعالى كذلك في سننه، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، فالحديث صحيح وله ألفاظ كثيرة، وقد جاء: (أنهما إذا تصافحا فأخذ كل منهما بيد الآخر، لا يأخذ بها إلا لله -وهذا الشرط مهم- تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر في الخريف).
إذًا: من فضل أخذ اليد والمصافحة مغفرة الذنوب، وتتحات الخطايا بكثرة.
وكذلك مما ذكر الدارمي ﵀ في كتاب الطهارة عن حماد قال: سألت إبراهيم عن مصافحة اليهودي والنصراني والمجوسي والحائض؟ فلم يرَ فيه وضوءًا، أي: لو صافح امرأته أو أخته وهي حائض مثلًا، أو صافح كافرًا فإنه لا يلزمه الوضوء، لأن مجرد المصافحة ليس من نواقض الوضوء.
أما مسألة أن المصافحة كانت شائعة على عهد النبي ﷺ، فإنه يدل على ذلك الحديث الذي رواه البخاري والترمذي عن قتادة، قال: [قلت لـ أنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ؟ قال: نعم].
إذًا: كانت المصافحة معروفة وموجودة على عهد النبي ﷺ.
وبالنسبة لالتقاء المسلم مع أخيه لو حصل، فإن المشروع فيه المصافحة في الأحوال العادية، ولذلك جاء عند ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: (قلنا: يا رسول الله! أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا.
قلنا: أيعانق بعضنا بعضًا؟ قال: لا.
ولكن تصافحوا).
وكذلك روى الترمذي ﵀ عن أنس بن مالك قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا.
قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا.
قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
إذًا: هذا الحديث الذي صح عن النبي ﷺ يبين أن السنة إذا التقى الإنسان بأخيه المسلم أنه لا يعانقه ولا يقبله ولا ينحني له، وإنما يصافحه مصافحة.
18 / 2