479
فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم
جاء كذلك في الأحاديث أيضًا، أن رسول الله ﷺ قال: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) وهذا الحديث قد رواه الإمام مالك ﵀ في الموطأ، لكن إسناده معضل، فقد سقط من إسناده رجلان، وقد جاء الحديث من وجوه، حتى قال ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان، وقال ابن المبارك: حديث مالك جيد، فعند ابن عبد البر ﵀ أن هذا الحديث قد جاء موصولًا من طرق شتى، فالفائدة منه هي قوله: (تصافحوا يذهب الغل) فالمصافحة تذهب الحقد والعداوة التي تكون فيها بعض النفوس ممتلئة على بعض.
ولذلك فالعناية بها لها فوائد، فقد تبين لنا أن من فوائد المصافحة أنها من أسباب مغفرة الذنوب والمحبة، وإذهاب الغل والحقد، وقد جاء كذلك في موضوع المعانقة والتقبيل عدة أحاديث أخرى، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الاستئذان، باب المصافحة، هذا أيضًا يضاف إلى المصافحة حديث ابن مسعود في التشهد، عندما علمه النبي ﷺ التشهد، قال: (وكفي بين كفيه).
وقد جاء -أيضًا- في موضوع المعانقة، ما جاء في كتاب المناقب، في صحيح البخاري، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، قال نافع بن جبير: عن أبي هريرة: (عانق النبي ﷺ الحسن) وقد رواه هنا معلقًا، ورواه أيضًا موصولًا كما سيأتي، وهذا الحديث الموصول هو ما رواه في كتاب البيوع، عن أبي هريرة الدوسي ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: أثم لكع، أثم لكع، فحبسته قليلًا، فظننت أنها تلبسه سخابًا -وهو نوع من الملابس، تجهز الولد للقاء جده وهو النبي ﷺ، أو تغسله حتى يخرج إليه طيب الرائحة- فجاء يشتد حتى عانقه وقبله) وهذا فيما يتعلق بموضوعنا في معانقة الصغار وتقبيلهم، ومعانقة الجد لحفيده وتقبيله.
وموضوع الصغار يختلف عن موضوع الكبار، مثل الولد والحفيد يعانقه ويقبله ويشمه، كما جاء في الحديث الصحيح، لكن هذا يختلف عما يفعل مع الكبار، فالصغار من السنة أن يشمه ويقبله ويعانقه إذا لقيه كابنه وحفيده عانقه وقبله وقال: (اللهم أحببه وأحب من يحبه).
وقد جاء هذا الحديث أيضًا في صحيح مسلم ﵀ عن أبي هريرة قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة، فقال: أثم لكع، أثم لكع -أي: حسنًا، وفي هذه الرواية تعيين الصبي الذي خرج إليه أنه الحسن بن علي ﵁ -فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخابًا- فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ: اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه) هذا بالنسبة لما فعله ﵊ بحفيده.
أما ما فعله ﵊ مع ولده إبراهيم، فقد جاء في الحديث الصحيح في البخاري، عن أنس بن مالك قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القيني، وكان ظئرًا لـ إبراهيم -فهذا الحداد ﵁ كان عنده إبراهيم يرتضع، مكث عنده فترة من الزمن- فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه) الحديث.
إذًا: في هذا الحديث مشروعية شم الأولاد وتقبيلهم، وأن النبي ﷺ قد فعل ذلك، وقد جاء في الحديث أنه ﵊ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، هذا رجل من الأعراب كان في الأعراب شيء من الجفاء، والخشونة والغلظة، استغرب قال: يا رسول الله! أنتم تقبلون الصبيان، وأنا عندي عشرة أولاد ما قبلت واحدًا منهم؟ كأنها عندهم شيء مما يتنافى مع الرجولة، فنظر إليه رسول الله ﷺ مستنكرًا هذا الكلام ومعاتبًا، ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم) وقال ﵊ في عتابه: (أوأملك لك إذ نزع الله الرحمة من قبلك).
إذا نزع الله الرحمة من قلبك لا تقبل الصبيان فماذا أملك لك؟ فهذا يدل على مشروعية تقبيل الصبيان.
وعنون البخاري ﵀: (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحهها)، هذه الصبية الصغيرة، وعمومًا فإن الرحمة بالصغير تكون مقيدة بما لم يكن هناك فتنة.
ومما ورد من الأحاديث التي فيها التقبيل: تقبيل الأب لابنته، فقد روى البخاري ﵀ في كتاب المناقب، أن البراء دخل مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها قبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ إذًا هذا من تقبيل الأب لابنته المريضة، ومن المعلوم أن عائشة ﵂ أول ما قدمت المدينة كانت صغيرة، فأصابت عددًا من المهاجرين حمى المدينة، والنبي ﷺ دعا أن يذهب الله ما فيها من الحمى، فيجعلها بـ الجحفة، ولذلك قال: (وصححها لنا) أي: اجعل جوها وهواءها يكون فيه صحة لا يكون فيه مرض، فمن بركة المدينة أن جوها صحي أكثر من غيرها؛ لأن النبي ﷺ دعا بذلك.

18 / 3