183

Ṣuwar min ḥayāt al-ṣaḥāba

صور من حياة الصحابة

Publisher

دار الأدب الاسلامي

Edition

الأولى

كَوْنِكَ لَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.

يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ: أَتَدْرِي مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجَسَدِهِ وَمَالِهِ؟ ...

إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ مِسْكِينٌ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فَلَمْ يُعِنْهُ.

* * *

وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَنْهَوْنَ النَّاسَ وَلَا يَنْتَهُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ صَوَّامَ نَهَارٍ قَوَّامَ لَيْلٍ.

أَخْبَرَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُلَيِكَةَ قَالَ:

صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَكُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ.

وَلَقَدْ رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَقْرَأُ:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾(١).

فَظَلَّ يُكَرِّرُهَا وَيَنْشِجُ(٢) حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ.

وَحَسْبُنَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ جِمَالًا، وَأَصْبَحِهِمْ وَجْهًا، فَمَا زَالَ يَبْكِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ الدَّمْعُ الْهَتُونُ(٣) خَدَّيْهِ الأَسِيلَيْنِ(٤).

* * *

وَقَدْ بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ مَبْدِ الْعِلْمِ غَايَتَهُ.

(١) سورة ق: آية ١٩.

(٢) ينشج: يبكي بصوت عالٍ.

(٣) الدمع الهتون: الدمع المتصبب بغزارة.

(٤) خديه الأسيلين: خديه المستويين الناعمين.

188