أَقَامَ الحَارِثُ فِي ضِيَافَةِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَكَانَ يُخْرِجُ لَهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قُرْصاً مِنَ الشَّعِيرِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ؛ قَالَ لِلْحَارِثِ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ:
لَقَدْ أَجْهَدْتَ(١) عُمَيْراً وَأَهْلَهُ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا هَذَا الْقُرْصُ الَّذِي يُؤْثِرُونَكَ(٢) بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَضَرَّ بِهِمُ الْجُوعُ وَالجَهْدُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَحَوَّلَ عَنْهُمْ إِلَيَّ فَافْعَلْ...
***
عِنْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ الحَارِثُ الدَّنَانِيرَ، وَدَفَعَهَا إِلَى عُمَيْرٍ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: مَا هَذِهِ؟!!.
فَقَالَ الحَارِثُ: بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: رُدَّهَا إِلَيْهِ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: لَا حَاجَةَ لِعُمَيْرٍ بِهَا.
فَصَاحَتْ امْرَأَتُهُ - وَكَانَتْ تَسْمَعُ مَا يَدُورُ بَيْنَ زَوْجِهَا وَضَيْفِهِ - وَقَالَتْ: خُذْهَا - يَا عُمَيْرُ - فَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهَا أَنْفَقْتَهَا، وَإِلَّا وَضَعْتَهَا فِي مَوَاضِعِهَا(٣)، فَالمُحْتَاجُونَ هُنَا كَثِيرٌ.
فَلَمَّا سَمِعَ الحَارِثُ قَوْلَهَا؛ أَلْقَى الدَّنَانِيرَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَيْرٍ وَانْصَرَفَ، فَأَخَذَهَا عُمَيْرٌ وَجَعَلَهَا فِي صُرَرٍ صَغِيرَةٍ وَلَمْ يبتْ لَيْلَتُهُ تِلْكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَزَّعَهَا بَيْنَ ذَوِي الحَاجَاتِ، وَخَصَّ مِنْهُمْ أَبْنَاءَ الشُّهَدَاءِ.
* * *
عَادَ الحَارِثُ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا رَأَيْتَ يَا حَارِثُ؟.
(١) أجهدتَ عُمَيْراً: عنيته، وألحقت به الضرر.
(٢) يؤثرونك: يفضلونك.
(٣) وضعتها في مواضعها: أنفقتها في طريقها.
254