فَقَالَ: حَالاً شَدِيدَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَدَفَعْتَ إِلَيْهِ الدَّنَانِيرَ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَمَا صَنَعَ بِهَا؟ !
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَمَا أَظُنُّهُ يُبْقِي لِنَفْسِهِ مِنْهَا دِرْهَماً وَاحِداً.
فَكَتَبَ الفَارُوقُ إِلَى عُمَيْرٍ يَقُولُ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَضَعْهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ عَلَيَّ.
***
تَوَجَّهَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى المَدِينَةِ، وَدَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَيَّاهُ عمر وَرَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ(١) ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ بِالدَّنَانِيرِ يَا عُمَيْرُ؟ !
فَقَالَ: وَمَا عَلَيْكَ مِنْهَا يَا عُمَرُ بَعْدَ أَنْ خَرَجْتَ لِي عَنْهَا؟ !!!
فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِمَا صَنَعْتَ بِهَا.
فَقَالَ: ادَّخَرْتُهَا لِنَفْسِي لِأَنْتَفِعَ بِهَا فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ...
فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(٢) ... ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ(٣) مِنْ طَعَامٍ وَثَوْبَيْنِ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ تَرَكْتُ عِنْدَ أَهْلِي صَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَإِلَى أَنْ نَأْكُلَهُمَا يَكُونُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ جَاءَنَا بِالرِّزْقِ ...
(١) أدنى مجلسه: قَرَّبه إليه دلالةٌ عَلَى الإكرام.
(٢) الخصاصة : الحاجة.
(٣) الوسق: ستون صاعاً، وهي تقدر بحمل بعير.
255