قُمْتُ مِنْ تَوِّي، وَقُلْتُ لِغُلَامِي ((مَذْكُورٍ)) هَيِّئْ لَنَا نُوقاً وَفَرَساً، وَأَخَذْتُ مَعِي ابْنِي جَعْفَراً، وَجَعَلْنَا نُفِذُّ الشَّيْرَ(١) نَحْوَ ((الأَبْوَاءِ)) بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ؛ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّداً نَزَلَ فِيهَا.
وَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهَا تَنكَّرْتُ حَتَّى لَا يَعْرِفَنِي أَحَدٌ فَأُقْتَلَ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأُعْلِنَ إِسْلَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَمَضَيْتُ أَمْشِي عَلَى قَدَمَيَّ نَحْوَاً مِنْ مِيلٍ وَطَلَائِعُ الْمُسْلِمِينَ تَمْضِي مُيَمَمةٌ شَطْرَ مَكَّةَ(٢) جَمَاعَةٌ إِثْرَ جَمَاعَةٍ، فَكُنْتُ أَتَنحى عَنْ طَرِيقِهِمْ فَرَقاً(٣) مِنْهُمْ وَخَوْفاً مِنْ أَنْ يَعْرِفَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ.
***
وَفِيمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ الرَّسُولُ ﷺ فِي مَوْكِبِهِ، فَتَصَدَّيْتُ(٤) لَهُ وَوَقَفْتُ تِلْقَاءَهُ(٥) وَحَسَرْتُ عَنْ وَجْهِي، فَمَا إِنْ مَلَأَّ عَيْنَيْهِ مِنِّي، وَعَرَفَنِي حَتَّى أَعْرَضَ عَنِّي إِلَى النَّاحِيَةِ الأُخْرَى، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ، فَأَعْرَضَ عَنِّي وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ وَجْهِهِ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً.
* * *
كُنْتُ لَا أَشْكُ - وَأَنَا مُقْبِلٌ عَلَى النَّبِيِّ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَفْرَحُ بِإِسْلَامِي، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ سَيَفْرَحُونَ لِفَرَحِهِ.
لَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ رَأَوْا إِعْرَاضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِّي تَجَهَّمُوا لِي(٦)، وَأَعْرَضُوا عَنِّي جَمِيعاً:
لَقَدْ لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ؛ فَأَعْرَضَ عَنِّي أَشَدَّ الإِعْرَاضِ، وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ نَظْرَةً أَسْتَلِينُ بِهَا قَلْبَهُ؛ فَوَجَدْتُهُ أَشَدَّ إِعْرَاضاً مِنْ صَاحِبِهِ...
(١) تُنِدُّ الشَّيرَ: نمينُ فيه ونسرع.
(٢) ميممة شطر مكة: مُتَّجهة نحو مكة.
(٣) فَرَّقاً منهم: خوفاً منهم.
(٤) تصديت له: برزت له، واتجهت نحوه.
(٥) تلقاء وجهه: أمام وجهه.
(٦) تجهموا لي: عبسوا في وجهي.
283