279

Ṣuwar min ḥayāt al-ṣaḥāba

صور من حياة الصحابة

Publisher

دار الأدب الاسلامي

Edition

الأولى

ذَلِكَ نُعَيْمَانُ بْنُ الحَارِثِ النَّجَارِيُّ ... فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ:

يَا نُعَيْمَانُ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُ أَخِي، وَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاخِطاً عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَسَيَرْضَى عَنْهُ يَوْماً، فَكُفَّ عَنْهُ ...

وَمَازَالَ بِهِ(١) حَتَّى رَضِيَ بِأَنْ يَكُفَّ عَنِّي، وَقَالَ:

لَا أَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ السَّاعَةِ.

*** وَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((بِالجُحْفَةِ))(٢) جَلَسْتُ عَلَى بَابِ مَنْزِلِهِ، وَمَعِي ابْنِي جَعْفَرْ قَائِماً، فَلَمَّا رَآنِي - وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَنْزِلِهِ - أَشَاحَ(٣) عَنِّي بِوَجْهِهِ، فَلَمْ أَيْأَسْ مِنِ اسْتِرْضَائِهِ، وَجَعَلْتُ كُلَّمَا نَزَلَ فِي مَنْزِلٍ أَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَأَقِفُ ابْنِي جَعْفَراً وَاقِفاً بِإِزَائِي(٤)، فَكَانَ إِذَا أَبْصَرَنِي الرَّسُولُ ﷺ أَعْرَضَ عَنِّي.

وَبَقِيتُ عَلَى ذَلِكَ زَمَاناً، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الأَمْرُ وَضَاقَ؛ قُلْتُ لِزَوْجَتِي:

وَاللَّهِ لَيَرْضَيَنَّ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَآَخُذَنَّ بِيَدَي ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَتَذْهَبَنَّ هَائِمَيْن عَلَى وَجْهَيْنَا فِي الأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ جُوعاً وَعَطَشاً، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لِي ... وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ قُبَّتِهِ نَظَرَ إِلَيَّ نَظَراً أَلْيَنَ مِنَ النَّظَرِ الأَوَّلِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَبْتَسِمَ.

***

ثُمَّ دَخَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَكَّةَ فَدَخَلْتُ فِي رِكَابِهِ، وَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ فَخَرَجْتُ أَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ لَا أُفَارِقُهُ عَلَى حَالٍ.

(١) ما زال به: ما زال يُلحُّ عليه.

(٢) الجحفة: مكان على الطريق بين المدينة ومكة، يبعُدُ عن مكة أربع مراحل.

(٣) أشاح عني بوجهه: أمال وجهه وأعرض عني.

(٤) بإزائي: بجانبي.

285