وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ((حُنَيْنٍ)) جَمَعَتِ العَرَبُ لِحَرْبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا لَمْ تَجْمَعْ قَطُّ، وَأَعَدَّتْ لِلِقَائِهِ مَا لَمْ تُعِدَّ مِنْ قَبْلُ، وَعَزَمَتْ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهَا القَاضِيَةَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ.
وَخَرَجَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلِقَائِهِمْ فِي جَمْوعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، وَلَمَّا رَأَيْتُ جَمْوعَ المُشْرِكِينَ الكَبِيرَةَ قُلْتُ:
وَاللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ اليَوْمَ عَنْ كُلِّ مَا سَلَفَ مِنِّي مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيَرَيَنَّ النَّبِيُّ مِنْ أَثَرِي مَا يُرْضِي اللَّهَ وَيُرْضِيهِ.
وَلَمَّا التَقَى الجَمْعَانِ اشْتَدَّتْ وَطْأَةُ المُشْرِكِينَ عَلَى المُسْلِمِينَ؛ فَدَبَّ فِيهِمُ الوَهَنُ وَالفَشَلُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَتَفَرَّقُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَادَتْ تَحُلُّ بِنَا الهَزِيمَةُ المُنْكَرَةُ.
فَإِذَا بِالرَّسُولِ - فِدَاهُ أَبِي وَأُمِّي - يَثْبُتُ فِي قَلْبِ المَعْرَكَةِ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ كَأَنَّهُ الطَّوْدُ(١) الرَّاسِخُ، وَيُجَرِّدُ سَيْفَهُ، وَيُجَالِدُ(٢) عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ حَوْلَهُ كَأَنَّهُ اللَّيْثُ عَادِياً.
عِنْدَ ذَلِكَ وَثَبْتُ عَنْ فَرَسِي، وَكَسَرْتُ غِمْدَ سَيْفِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ المَوْتَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَخَذَ عَمِّي العَبَّاسُ بِلِجَامِ بَغْلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَقَفَ بِجَانِبِهِ...
وَأَخَذْتُ أَنَا مَكَانِي مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ، وَفِي يَمِينِي سَيْفِي أُذُودُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا شِمَالِي فَكَانَتْ مُمْسِكَةً بِرِكَابِهِ.
فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُحْسِنِ بَلَائِي(٣) قَالَ لِعَمِّي العَبَّاس:
(١) الطود: الجبل العظيم.
(٢) يجالد: يضارب بالسيف.
(٣) محسن بلائي: شدة فتكي بالأعداء.
286