وَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا قَطَعْنَاهُ مِنْ عَهْدٍ لِقُرَيْشٍ، وَسَأَلْنَاهُ مَاذَا نَصْنَعُ؟.
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ: (نَفِي بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ).
***
وَلَمَّا كَانَتْ ((أُحُدٌ)) خَاضَهَا حُذَيْفَةُ مَعَ أَبِيهِ الْيَمَانِ؛ أَمَّا حُذَيْفَةُ فَأَبْلَى فِيهَا أَعْظَمَ البَلَاءِ وَأَكْرَمَهُ، وَخَرَجَ مِنْهَا سَالِماً، وَأَمَّا أَبُوهُ فَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِيهَا، وَلَكِنَّ اسْتِشْهَادَهُ كَانَ بِسُيُوفِ الْمُسْلِمِينَ لَا بِسُيُوفِ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ نُورِدُهَا فِيمَا يَلِي:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ ((أُحُدٍ)) وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمَانَ، وَثَابِتَ بْنَ وَقْشٍ فِي الْحُصُونِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ طَاعِنَيْنِ فِي السِّنِّ(١)، فَلَمَّا حَمِيَ وَطِيسُ المَعْرَكَةِ(٢)، قَالَ الْيَمَانُ لِصَاحِبِهِ:
لَا أَبَا لَكَ، مَا نَنْتَظِرُ؟! فَوَاللَّهِ مَا تَقِيَ لِوَاحِدٍ مِنَّا مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَظْمَأُ الحِمَارُ(٣)، إِنَّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْمِ(٤) أَوْ غَدٍ، أَفَلَا نَأْخُذُ سَيْفَيْنَا وَنَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا الشَّهَادَةَ مَعَ نَبِيِّهِ ... ثُمَّ أَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَدَخَلَا فِي النَّاسِ وَاقْتَحَمَا المَعْرَكَةَ ...
أَمَّا ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْيَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ فَتَعَاوَرَتْهُ(٥) سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَجَعَلَ حُذَيْفَةُ يُنَادِي: أَبِي ... أَبِي ... فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ، وَخَرَّ الشَّيْخُ صَرِيعاً بِأَسْيَافِ أَصْحَابِهِ، فَمَا زَادَ حُذَيْفَةُ عَلَى أَنْ قَالَ لَهُمْ:
طاعنين في السنِّ: متقدمين في السن.
حمي وطيشُ المعركة: اشتدَّتْ.
إلا بمقدار ما يظمأ الحمار: كناية عن قصر المُدَّة لأن الحمار قليل الصَّبر عَلَى العطشِ.
هامة اليوم: كناية عن أنهم يموتون قريباً.
تعاورته: تداولته وتتابعت عَلَيْهِ.
300