يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
ثُمَّ أَرَادَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُعْطِيَ الابْنَ دِيَةَ(١) أَبِيهِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِنَّمَا هُوَ طَالِبُ شَهَادَةٍ وَقَدْ نَالَهَا، اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي تَصَدَّقْتُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ مَنْزِلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
* * *
سَبَرَ(٢) الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ غَوْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَتَجَلَّتْ لَهُ فِيهِ خِلَالٌ ثَلَاثٌ: ذَكَاءٌ فَذٌّ يُسْعِفُهُ فِي حَلِّ الْمُعْضِلَاتِ ...
وَبَدِيهَةٌ(٣) مُطَاوِعَةٌ تُلَبِّيهِ كُلَّمَا دَعَاهَا ...
وَكِتْمَانٌ لِلسِّرِّ فَلَا يَنْفُذُ إِلَى غَوْرِهِ أَحَدٌ.
وَكَانَتْ سِيَاسَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَقُومُ عَلَى اكْتِشَافِ مَزَايَا أَصْحَابِهِ؛ وَالإِفَادَةِ مِنْ طَاقَاتِهِمُ الْكَامِنَةِ فِي ذَوَاتِهِمْ، وَذَلِكَ بِوَضْعِ الرَّجُلِ الْمُنَاسِبِ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ.
* * *
وَكَانَتْ أَكْبَرُ مُشْكِلَةٍ تُوَاجِهُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ هِيَ وُجُودُ الْمُنَافِقِينَ(٤) مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْيَاعِهِمْ(٥)، وَمَا يَحِيكُونَهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ مِنْ مَكَائِدَ وَدَسَائِسَ.
فَأَقْضَى(٦) النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ - وَهُوَ سِرٌّ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ - وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِرَصْدِ حَرَكَاتِهِمْ، وَتَتَبُّعِ نَشَاطِهِمْ، وَدَرْءِ خَطَرِهِمْ(٧) عَنِ الإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ ...
(١) الدِّيَةُّ: ما يُؤدَّى لأهل القتيل.
(٢) سبر غوره: نفذ إلى أعماقه واختبره.
(٣) البديهة: سرعة الفهم لأول وهلة.
(٤) المنافق: هو من ستر الكفر بقلبه وأظهر الإيمان بلسانه.
(٥) أشياعهم: أنصارهم.
(٦) أَقْضَى النبي لحذيفة: أسرّ إليه وخبره.
(٧) دَرْءُ خطرهم: دفع خطرهم.
301