وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ دُعِيَّ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ((بِصَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)).
*** وَقَدِ اسْتَعَانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَوَاهِبِ حُذَيْفَةَ فِي مَوْقِفٍ مِنْ أَشَدِّ المَوَاقِفِ خَطَراً، وَأَخْوَجِهَا إِلَى الذَّكَاءِ الفَذِّ وَالبَدِيهَةِ المُطَاوِعَةِ، وَذلِكَ فِي ذُرْوَةِ غَزْوَةِ ((الخَنْدَقِ))(١) ... حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ أَحَاطَ بِهِمُ العَدُوُّ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَبَلَغَ مِنْهُمُ الجَهْدُ وَالضَّنْكُ(٢) كُلَّ مَبْلَغٍ، حَتَّى زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ(٣)، وَأَخَذَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ.
وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهَا مِنَ المُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الحَاسِمَاتِ بِأَحْسَنَ حَالاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَقَدْ صَبَّ عَلَيْهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَضَبِهِ مَا أَوْهَنَ قُوَاهَا وَزَلْزَلَ عَزَائِمَهَا، فَأَرْسَلَ عَلَيْهَا رِيحاً صَرْصَراً(٤) تَقْلِبُ خِيَامَهَا، وَتَكْفَأُ(٥) قُدُورَهَا، وَتُطْفِئُ نِيرَانَهَا وَتَقْذِفُ وُجُوهَهَا بِالحَصْبَاءِ، وَتَسُدُّ عُيُونَهَا وَخَيَاشِيمَهَا بِالتُّرَابِ.
*** فِي هَذِهِ المَوَاقِفِ الحَاسِمَةِ مِنْ تَارِيخِ الحُرُوبِ؛ يَكُونُ الفَرِيقُ الخَاسِرُ هُوَ الَّذِي يَئِنُّ أَوَّلاً، وَيَكُونُ الفَرِيقُ الرَّابِعُ هُوَ الَّذِي يَضْبِطُ نَفْسَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَعْدَ صَاحِبِهِ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا مَصَائِرُ المَعَارِكِ؛ يَكُونُ لِإِسْتِخْبَارَاتِ الجُيُوشِ الفَضْلُ الأوَّلُ فِي تَقْدِيرِ المَوْقِفِ وَإِسْدَاءِ المَشُورَةِ.
(١) غزوة الخندق: كانت سنة ٥ للهجرة وهي غزوة الأحزاب.
(٢) الضنك: الضِّيقُ والشِّدَّة.
(٣) بلغت القلوب الحناجر: كناية عن شدَّة الضيق.
(٤) الريح الصرصر: الريح الشديدة التي تُصرُّ صَرًّا.
(٥) تكفأ: تقلب.
302