وَمِنْ هُنَا اخْتَارَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَخِبْرَاتِهِ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إِلَى قَلْبِ جَيْشِ العَدُوِّ تَحْتَ جُنْحِ الظُّلَامِ؛ لِيَأْتِيَ بِأَخْبَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّتَ (١) أَمْراً.
فَلْنَتْرُكْ لِحُذَيْفَةَ الكَلامَ لِيُحَدِّثَنَا عَنْ رِحْلَةِ المَوْتِ هَذِهِ.
قَالَ حُذَيْفَةُ:
كُنَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ صَافِّينَ قُعُوداً، وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَوْقَنَا، وَبَنُو ((قُرَيْظَةَ)) مِنَ الْيَهُودِ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى نِسَائِنَا وَذَرَارِينَا، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا لَيْلَةٌ قَطُّ أَشَدُّ ظُلْمَةً، وَلَا أَقْوَى رِيحاً مِنْهَا، فَأَصْوَاتُ رِيحِهَا مِثْلُ الصَّوَاعِقِ، وَشِدَّةُ ظَلَامِهَا تَجْعَلُ أَحَدَنَا لَا يَرَى إِصْبَعَهُ...
فَأَخَذَ المُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا مَكْشُوفَةٌ لِلْعَدُوِّ - وَمَا هِيَ بِمَكْشُوفَةٍ. فَمَا يَسْتَأْذِنُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى بَقِينَا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
***
عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَجَعَلَ يَمُرُّ بِنَا وَاحِداً وَاحِداً حَتَّى أَتَى إِلَيَّ وَمَا عَلَيَّ شَيْءٌ يَقِينِي مِنَ الْبَرْدِ إِلَّا مِرْطٌ (٢) لِامْرَأَتِي مَا يُجَاوِزُ رُكْبَتَيَّ.
فَاقْتَرَبَ مِنِّي وَأَنَا جَاثٍ عَلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: (مَنْ هَذَا؟).
فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قَالَ: (حُذَيْفَةُ؟) ... فَتَقَاصَرْتُ إِلَى الأَرْضِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَقُومَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ، وَقُلْتُ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
(١) قبل أن يُبَيِّتَ أمراً: قبل أن يتخذ قراراً.
(٢) المرط: كل ثوب غير مخيط من مئزر ونحوه.
303