الناس، فلا يُرْجَع في التخفيف المأمور به إلَّا إلى فعله ﷺ، فإنه كان يصلي وراءَه الضعيفُ والكبيرُ وذو الحاجة، وقد أَمَرَنا بالتخفيف لأجلهم، فالذي كان يفعله هو التخفيف، إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلِّله بعلّةٍ، ثم يفعل خلافَه مع وجود تلك العلة، إلا أن يكون منسوخًا.
وفي «صحيح مسلم» (^١) عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ طولَ صلاةِ الرجل وقِصَرَ خطبته مَئِنَّةٌ مِن فقهِهِ، فأطيلوا الصلاةَ واقْصُروا الخُطبةَ، وإن من البيان سِحْرًا». فجعل طولَ الصلاة علامةً على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما أن يكون عامًّا في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة، فإن كان عامًّا فظاهر، وإن كان خاصًّا بالجمعة مع كون الجَمْع فيها يكون عظيمًا، وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وتُفْعَل في شدَّة الحرّ، ويتقدمها خطبتان، ومع هذا فقد أمر بإطالتها، فما الظنُّ بالفجر ونحوِ التي تُفْعَل وقتَ البرد والراحة مع قلة الجَمْع؟! وقد روى النسائيُّ في «سننه» (^٢): أن النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم. وفي «سنن أبي داود» (^٣) عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ ﷺ كان إذا دحضَتِ الشمسُ صلى الظهرَ وقرأ بنحوٍ من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، والعصر كذلك، والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها».
(^١). (٨٦٩).
(^٢). (٩٤٧)، وفي «الكبرى» (١٠٢١)، وأحمد (١٥٨٧٣) عن بعض أصحاب النبي ﷺ، ورجاله ثقات غير أبي روح وحديثه حسن. وقد حسَّنه ابن كثير في «تفسيره»: (٦/ ٢٧٣٨).
(^٣). (٨٠٦)، وأخرجه النسائي (٩٨٠)، ومسلم (٦١٨، ٤٥٩) مختصرًا.