وهذا خِلاف مَا رَواه ابن جَرير عن ابن إسحاق، وما ذَكَره غَير واحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِين عَنه، ولَعَلَّه وَهْم.
وحَكَى الثعالبي عن الْجُمْهُور أنَّ الاسْتِهَام للمُنَافَسَة، فَقَال: وقَوله تَعالى: (يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) الآيَة. جُمْهُور العُلَمَاء على أنه اسْتِهَام لأخْذِها والْمُنَافَسَة فيها (^١).
وصَدّر القاسمي قَوله بِصِيغَة تَمْرِيض، فَقَال: رُوي أنَّ أمّها أخَذَتْها وحَمَلَتْها إلى الْمَسْجِد، ووَضَعَتْها عِند الأحْبَار، وقَالَت: دُونَكم هَذه النَّذِيرَة، فَتَنَافَسُوا فِيها إذ كَانت بِنْت إمَامِهم، وصَاحِب قُرْبَانِهم، وأحَبّ كُلُّ أن يَحْظَى بِتَرْبِيَتِها، فَقَال لَهم زَكَرِيّا: أنَا أحَقّ بِها، عِندي خَالَتها، فأبَوا إلَّا القُرْعَة (^٢).
وقال في الْمَوْضِع الثَّاني: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) بِسَبَبِهَا تَنَافُسًا في كَفَالَتها (^٣).
رأي الباحث:
لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، فالآيَة الأُولى في نَسَق سِياقها تُفِيد أنَّ امْرَأة عِمران نَذَرَتْ مَا في بَطْنِها مُحَرَّرًا للكَنِيسَة، وابْتَهَلَت إلى الله أن يَتَقَبَّل مِنها، فَلَمَّا وَضَعَتْها أعَاذَتْها مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم، فتَقَبَّلها رَبُّها بِقَبُول حَسَن، وأنْبَتَها نَبَاتًا حَسَنًا، وكَفَّلَها زَكَرِيّا.
ثم جَاء سِيَاق الآيَات والْتِفَاتِ الْخِطَاب لِنَبِيِّنَا محمد ﷺ بأنَّ (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) و(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)،
(^١) الجواهر الحسان، مرجع سابق (١/ ٢٦٧).
(^٢) محاسن التأويل، مرجع سابق (٣/ ٣٥٨).
(^٣) المرجع السابق (٣/ ٣٦٣).