323

Manhaj al-Qurṭubī fī dafʿ mā yutawaham taʿāruḍihi min al-āyāt fī kitābih al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وقِيل: (ازْدَادُوا كُفْرًا) بالذُّنُوب التي اكْتَسَبُوها، وهذا اخْتِيَار الطبري، وهي عِنْدَه في اليَهُود.
ثم قَال في قَولِه: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ): مُشْكِل لِقَوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)؛ فَقِيل: الْمَعْنَى: لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم عِنْد الْمَوْت.
قال النحاس: وهذا قَول حَسَن، كَمَا قَال ﷿: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) [النساء: ١٨].
وقَد قَال ﷺ: إنَّ الله يَقْبَل تَوْبَة العَبْد مَا لَم يُغَرْغِر (^١).
وقِيل: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم التي كَانُوا عَليها قَبْل أن يَكْفُرُوا؛ لأنَّ الكُفْر قد أحْبَطَها.
وقِيل: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا مِنْ كُفْرِهم إلى كُفْرٍ آخَر، وإنّمَا تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا إلى الإسْلام.
وقال قُطْرب: هَذه الآية نَزَلَتْ في قَوم من أهْل مَكَّة قَالُوا: نَتَرَبّص بِمُحَمَّد رَيْب الْمَنُون، فَإن بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنا إلى قَوْمِنَا، فَأنْزَل الله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم وهُم مُقِيمُون عَلى الكُفْر، فَسَمَّاها تَوبَة غَير مَقْبُولَة؛ لأنه لم يَصِحّ مِنْ القَوم عَزْم، والله ﷿ يَقْبَل التَّوْبَة كُلّها إذا صَحَّ العَزْم (^٢).
وقال في تَفْسير قَوله تَعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: ١٧]: قِيل: هَذه الآيَة عَامَّة لِكُلّ مَنْ عَمِل ذَنْبا.
قال: وإذَا تَابَ العَبْد فالله سُبْحَانه بالْخِيَار إن شَاء قَبِلَها، وإن شَاء لَم يَقْبَلْها، ولَيْس قَبُول التَّوبَة وَاجِبًا عَلى الله مِنْ طَرِيق العَقْل، كَما قَال الْمَخَالِف، لأنَّ مِنْ شَرْط

(^١) رواه من حديث ابن عمر: أحمد (ح ٦١٦٠) وقال محققوه: إسناده حسن. ورواه الترمذي (ح ٣٥٣٧)، وابن ماجه (ح ٤٢٥٣) إلا أنه جعله من حديث عبد الله بن عمرو. قال المزي: وهو وهم. (تحفة الأشراف ٥/ ٢٥٨).
(^٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٤/ ١٢٧، ١٢٨).

1 / 323