كيف دارت الدائرة على المسلمين؟
وبينما هم كذلك إذ انهزم المشركون، وولّوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم، فلمّا رأى الرّماة ذلك، مالوا إلى العسكر، وهم موقنون بالفتح، وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، وظنّوا أن ليس للمشركين رجعة، فأخلوا الثغر، وأخلوا ظهور المسلمين إلى الخيل «١»، وأصيب أصحاب لواء المشركين حتّى ما يدنو منه أحد من القوم، فأتاهم المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: ألا! إنّ محمدا قد قتل. فتراجع المسلمون وكرّ المشركون كرّة، وانتهزوا الفرصة، وكان يوم بلاء وتمحيص، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ وأصابته الحجارة، حتّى وقع لشقّه، وأصيبت رباعيته، وشجّ في رأسه «٢»، وجرحت شفته ﷺ وجعل الدم يسيل على وجهه، فيمسحه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم؟!» «٣» .
ولا يعلم المسلمون بمكانه، فأخذ عليّ بن أبي طالب- ﵁ بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتّى استوى قائما، ومصّ مالك بن سنان الدّم عن وجهه ﷺ وابتلعه «٤» .
ولم تكن فرّة، إنّما كانت جولة يضطرّ إليها الجيش ثمّ يستأنف كرّة «٥»،
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٠.
(٢) [الشجّ في الرّأس: هو أن يضربه بشيء، فيجرحه فيه ويشقّه] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٧٨- ٨٠.
(٤) المصدر السابق: ج ٢، ص ٨٠.
(٥) يقول المستشرق جيورجيو في كتابه: «نظرة جديدة في سيرة رسول الله ﷺ» (ص ٢٦٧): «من وجهة نظر محارب متخصّص- محايد- لم يخسر المسلمون في معركة أحد، إنما وقعوا في تجربة مفاجئة وحسب، لأن جيش مكة لم يفن جيش المسلمين، كما لم يحتل-