371

غير التي كانت عليه ، ووجهه قد تسرى عنه ذلك الأثر من الحزن فأمر ونهى ، حتى اذا فرغ من غسله دعا بكفنه فكتب في حاشيته : إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله (1).

فتعجب الناس من انقلاب حاله وذهاب ذلك الحزن الشديد فبدر إليه بعض أصحابه قائلا : جعلت فداك لقد ظننا أننا لا ننتفع بك زمانا لما رأيناه من جزعك ، فقال عليه السلام : إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فاذا نزلت صبرنا.

وقدم لأصحابه المائدة وعليها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ودعاهم الى الأكل وحثهم عليه ، ولا يرون للحزن أثرا على وجهه ، فقيل له في ذلك ، فقال :

ومالي لا اكون كما ترون وقد جاء في خبر أصدق الصادقين : إني ميت وإياكم.

ولكنه لما حمل ليدفن تقدم سريره بغير حذاء ولا رداء ، وهذا أعظم شعار للحزن ، وكان يأمر بوضع السرير على الأرض يكشف عن وجهه يريد بذلك تحقيق موته لدى الناس ، فعل ذلك مرارا الى أن انتهوا به الى قبره (2).

ولما فرغ من دفنه جلس والناس حوله وهو مطرق ، ثم رفع رأسه فقال :

أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء ، لا دار استواء على أن لفراق المألوف حرقة لا تدفع ، ولوعة لا ترد ، وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكرة ، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه ، ومن لم يقدم ولدا كان هو المقدم دون الولد ، ثم تمثل بقول أبي خراش الهذلي :

ولا تحسبن أني تناسيت عهده

ولكن صبري يا اميم جميل (3)

Page 111