Al-Jawhara al-Munīra
الجوهرة المنيرة
قيل: كانت الرايات تقرب من الثلاثين الراية، وحمل أهل اليمن وغيرهم من العسكر، فدخلوا المدينة وهي وسيعة يقال: أنها أوسع من صنعاء فكل طائفة دخلت بيتا وقل نفعهم وإنما صار من في البيت حافظا له فقط، ثم وصل الأمير سنبل وكان هو وأصحابه في جانب الشاذلي، ووقع الحرب في جانبه وقتل حامل رايته واثنا عشر نفرا من أصحابه وصار الحرب على الذين في القلب وعظم الأمر على الباشا ففر إلى خلف [106/أ] الحصن يريد الركوب بحرا، وكان قد هرب إليه كثيرون من شرار العرب كما تقدم، من الذين هربوا من يفرس من أصحاب السيد الهادي فصاروا كثيرا وصار إليهم علي زايد الهمداني من أصحاب الأمير سنبل ومزاحم آغا أيضا من أصحاب الأمير سنبل، فكان علي زايد هذا معظما عندهم وجعلوه من كبار أغواتهم فكرهوا الهرب على الباشا فأعادوه مكانه بعد أن هموا به وحملوا، فهزموا من دخل من جنود الحق، وقد تفرقوا في الشوارع وقتلوا جماعة من المجاهدين، وخرجت خيلهم إلى مقابل مولانا الحسن رحمه الله وكان قد ركب فحمل فيها فهزمها في جماعة من خواصه منهم السيد يحيى بن لطف الباري، والأمير محمد بن علي بن شمس الدين وغيرهم فعادت منهزمة، وقد أصيب حصان مولانا الحسن رحمه الله وأصيب جماعة بين يديه منهم الفقيه المؤذن أخذته رصاصة مدفع وكذا حصان الأمير سنبل، ووقع أمر ليس بالهزل، ثم أرسل رحمه الله على من في البيوت بالخروج وعرف أن التعبئة اختلطت فخرج الناس وقد قتل منهم فوق المائة النفر، وأسر جماعة كانوا في البيوت لم يعرفوا بعود أصحابهم، ولا عرف مولانا بقاهم وعاد إلى موضعه بحيث أن المدافع تطف عليه وقد جعل فسطاطه من وراء كثيب من أجل المدافع، وبقي الناس من غير ماء إلا ما حملوه من الغرافي وموزع وضج الناس من العطش، فلما كان بعد العتمة وإذا بالصائح يقول: السيل فركب أهل الخيل وسرعان الناس وظنوه الخصم فإذا بالسيل قد وصل من بلاد الحجرية على مسيرة يومين، فلم يسمعه الناس حتى خالطهم، فكان مولانا رضوان الله عليه يباشر مضاربه بيده وخزائنه ثم أخذ كثيرا من القصب وخندق به على ما عجز عنه وامتلأت الغدران ماءا عذبا سمهجا(1) وكان غياثا للمجاهدين وكرامة لولد سيد المرسلين وضرب بذلك المثل. ثم إنه -عليه السلام- احتفر البئر المسماه [106/ب] الحسنية وتسمى العسلية لعذوبة مائها فكفت جنوده ومن يلم بمحاطه كفاية يضرب بها المثل، ويقال إنما يعهد ما رأوا من كثرة مائها فإنها كفت المحطة ومن يلم بها حتى ارتحلوا عنها.
ولما عاد مولانا الحسن رحمه الله تعالى إلى الموضع المذكور عقيب الحرب وخرج السيد عز الدين محمد بن أحمد رحمه الله من المخا إلى الخناني، وهو محط الأثقال كما تقدم، وخاف عليه مولانا الحسن(2) فركب في الليل واستخلف على المحطة الأمير سنبل والسيد أحمد بن هارون وأهل الشام حتى نقل المحطة إلى موضعه المذكور ولم يتعرض له أهل المخا وإنما كانوا يرمون بالمدافع والله سبحانه وتعالى عنه وعن أصحابه يدافع.
ثم إنه -عليه السلام- عبأ الناس للحملة مرة أخرى، وقد استقر في الموضع المذكور فوقع في رأسه الكريم وجع وأعظمه في آذانه من الفوج المعتاد في تهامة مع حركاته والعرق في الحرب الأول، مع أنه وقع مطر عظيم فانتظر ذلك حتى صح.
Page 366