349

ومنها أن هذا الأغا الذي كان متوليا أمرهم لم يمكن أن يوجد بالناس أشد منه شكيمة ولا أحد منه عزيمة، ولا أدهى ولا أمكر ولا أسخى ببذل المال ولا أشد جرأة على الله وتمردا، وله من الأقوال والأعمال الكفرية ما لم يعلم في غيره من شجرته الخبيثة، حكي أنه كان إذا عذب أحدا فيستغيث بالله أو يذكر الله يتشظى من الغيض ويقول: إيش يفعل لك الله ينفعك من علي آغا، وكان إذا سمع من يذكر الله أو يتلو القرآن يهم أن يبطش به والصيام اشتهر عنه أن من اتهمه(1) بأنه يصوم عاقبه وكان يتجسس في الليل على من يصوم، وأما الصلاة فلا تذكر عنده البتة؟ وكيف يمكن من مثل هذا أن يهتدي؟ أو يطمع فيه سيما وقد انظم إليه من أبنا جنسه من العجم والعرب من ساعده على أمره ووالاه على كفره وصفى له في سره وجهره وساروا أطوع يده وعاشروه معاشرة أفلاذ(2) كبده حتى أنهم في آخر المدة لما رأوا أنه قد ازدادت عليه الشدة وعجز عن استعداد العدة قالوا له: لن تراع نحن نبذل جوامكنا فيما تحتاج إليه من المتاع ونبذل أرواحنا دونك في القراع، وأعد كل لنفسه ما يكفيه مدة طائلة فمن قال لكم أنه كان فيهم من يرض الموالاة لكم وهو يقدر على غيرها ببذل ماله وروحه، فقد ادعى باطلا وكذب كذبا هائلا إلا هذا الرجل الذي أجرى الله هذه النعمة على يديه وقصر السعادة في أولئك القوم عليه عثمان آغا كخيه آغة القاهرة، فإنه كان عندنا منه خبر لطيف على لسان رجل خامل ضعيف وكنا نحمله على ما يحمل عليه غيره من النفاق والخداع والتملاق وهو يعتذر بعذر واضح هو أنه جعل عنده من أبناء الترك نحو مائة نفر رتبة ليلا ونهارا ولم يكن راتبة القاهرة الذين هم طوعه إلا نحو ثلاثين نفرا في غاية الضعف والركة وقد كنا آيسنا من أنها ستأتينا من لديه النصرة والله سبحانه بالغ أمره، فلما حل بالقوم غضب ربهم وحق ما أراده من حلول الخزي والبوار بهم، يسر أسباب ذلك وأعماهم عما [111/أ] كانوا أبصر به من المسالك، فأصبحوا يوما من الأيام يجتمعون إلى صنمهم لعدد البغشيش، فكان فيمن حضر عثمان هذا من رتبة القاهرة فقيل: أما أنتم فليس لكم شيئا من هذا فرجع إلى أصحابه مكسور الخاطر ووجد الطائفة الموكلة بحراسة القاهرة قد لحقوا بالعسكر لطلب حقهم فقال لأصحابه: يقول لكم الأمير لا شيء لكم من ذلك فقالوا: هذا جزاؤنا منه على ما لقيناه من البلاء في خدمته، فلما وجد الفراغ في قلوبهم قال: لستم عنده شيء قالو: فكيف؟ قال: تحلفون لي، فلما حلفوا له قال: نحبس الآغا ونغلق الأبواب وهذا الملجأ حاضر قالوا : نعم فقام بنفسه قيد آغته وغلق الأبواب وأرسل إلينا أخاه فوصل إلينا وقال: الأمر فيه وفيه، وهذا أنا رهينة أخي في ذلك حتى تبلغوا مرادكم، فبينا(1) نحن نتردد في الأمر ونجيل الفكر لم نشعر إلا بالمراماة فيما بين أهل القاهرة وأهل المدينة، فخرجنا في الحال أمرنا من أمرنا من السادة إليهم مع رتبة في(2) الأمر، وكان أهل المدينة يطمعون في رجوع المذكورين ويبذلون لهم الرغائب حتى قالوا لهم لكم خمسون خمسون محلقا وأهل القاهرة لا يجيبون إلا بالرمي والتنصير لإمامهم أيده الله، ثم ما شعر أهل المدينة إلا بالأعلام تخفق في أعلى قصور القاهرة، ونحن مع ذلك نشاهدهم ونرى ما يأتون وما يذرون. وقد رتبنا الأجناد المنصورة إن شاء الله حول المدينة خشية من أن يحملهم الإياس على بذل نفوسهم والإلقاء بها إلى التهلكة فلا يهلكون حتى يبالون، فلما عاينوا الخبر وتيقنوا نزول القدر حاصوا إلى مواضع في المدينة وأخرجوا إلينا جماعة من أعيانهم وأعيان أهلها يلتمسون منا حقن دمائهم في ذلك الوقت، ولنا منهم ما نريد بعد، وقد كنا طلعنا على ضعفاء من أهل المدينة وأطفال وحرم لا ينحصرون، فعلمنا أنه لم نوصل إلى الغرض في العدو حتى يهلك هؤلاء في الوسط فأعطيناهم ما طلبوه من ذلك وخرجوا في حال مستسلمين غير راضين والله لا باطنا ولا ظاهرا. وكيف نظن بهم الخير ونحن حولهم منذ سنتين نتردد ونقبل إليهم وندبر عنهم، ونرغب ونرهب، ولا يزيدهم ذلك إلا عتوا ونفورا، فلا يظن أمير المؤمنين سلم الله عليه أن لأحد في هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه وعلى أوليائه منة أو يدا غير الله، فله الحمد والشكر والثناء على سوابغ [111/ب] نعمه وبوالغ حكمه.

هذا ولا نقدر على أن نصف ما انتهت إليه هذه المدينة من الضعف والخراب الذي لم يمكن جبره إلا بعد أحقاب، ولكنها بحمد الله لما استقر بها ركاب هذه الدولة المسعودة انثالت إليها الركبان ووفدت العربان فمع قوة الحركة في البيع والشراء فيها يرجى قرب عمارتها إن شاء الله تعالى، وسنفعل إن شاء الله ما أشرتم إليه من الأفعال الموصلة إلى حياتها إن شاء الله، ولا نألوا جهدا إن شاء الله ومن الله نلتمس الإعانة والتوفيق. فهذا خبر المدينة الذي لا يجوز لأحد أن يروي غيره وقد رأينا عدم التنكيد على أهل الذنوب العظيمة من العسكر راجيا(1) أن يكون ذلك داعيا لمن بقي متمسكا بعروة الضلال إلى الطمع في قبوله والعفو عنه، فيكون ذلكم معينا على هلاك العدو إن شاء الله. وندخر مالنا عندهم من المبالغ عند الله، ونتقرب بذلك إليه، ونؤثر مراده على هوى أنفسنا لينظر إلينا بعين عطفه، ويمدنا بمواد لطفه والسلام.

Page 380