361

وكان أول خطاب [117/أ] أجابه الإمام -عليه السلام- فيما رأيته في بعض مكاتبته أن له ثلاثة خيارات: إما يمضي إلى مصر والروم في خواصه ، وأمان من أحب البقاء في اليمن، وإلا يجعل له موضعا يقيم فيه في اليمن في عدة من خواصه وألا يدخل في الإمامة ويكون له ما للخاصة وعليه ما عليها، وطال الخطاب حتى خرج إلى زبيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. بعد أن أرسل شريف أفندي من أصحابه إلى الإمام -عليه السلام-، فأجابه الإمام -عليه السلام- وطلب الإقالة لأهل تعز كذلك كما تقدم ولأهل زبيد، فلم يقبلوا وفعلوا ما تقدم من مخالفة باشتهم والمحاط على حالها ، وكان في ذلك الصلح خير، وخرج محابيس كانوا في صنعاء منهم الأمير: مطهر بن عبد الرحمن. وكان لحيدر باشا في المخا أموال وقد وصل الباشا عابدين إلى المخا(1) فأرسل له ببعض على يد بعض تجار صنعاء، وقبض مولانا الحسين رحمه الله على مال التاجر في طريق صنعاء لأنه لم يشرط في الصلح وإنما الصلح على صنعاء وأموالها. وفي محاصرة صنعاء حروب مهيلة، وحوادث طويلة، والقتل الذريع منها في بيت الكبش خارج دار سلم، وكان فيه رتبة تقدمت خيل العجم حتى قابلت أرتل، وخيل قابلت دار سلم ورجالتهم تقدموا على هذه المرتبة وأغار مولانا الحسين رحمه الله بنفسه فلم يقدر على إخراج الخيل من القاع لكثرتهم، وقلة خيله وطال الأمر حتى أخذوهم وقتلوهم وغزوا أخرى إلى المحاقرة موضعا من سنحان، ففعلوا قريبا منها، وانتهبوا قافلة من ضبر خيرة، وذلك أنهم كانوا يرسلون الخيل في أول الليل ثم يخرجون من آخره يتناوشون الحرب فلا يبقى من القوم من يقعطها للإشتغال حتى يعودوا بالنهب. ولقد جعل مولانا الحسين رحمه الله رتبا في مواضع بعيدة من سنحان. وفي جانب الروضة كذلك حوادث ومكامن، وكان ربما يخرج الباشا بنفسه حتى يدور على الروضة بكثرة خيله، ومولانا أحمد وأهل الجراف ومن إليهم يدافعونهم وفي الجانبين قتل كثير منها: أن قطعة فوق ثلاثمائة من عسكر مولانا أحمد أطال الله بقاه لازموا الحرب أعلى من الحشيشية ثم قطعتهم الخيل في أكمة مقابلة لأعلى الروضة، وكان على العسكر جماعة من الرؤساء منهم [117/ب ] السيد الحسن بن لقمان وسعيد اليغنمي المشهور في أهل كوكبان ومشائخ من بني الحارث وغيرهم فأحاطوا بهم من أول النهار إلى بعد الزوال، وكادوا يأخذونهم قبضا، وقد جعلوا الخيل فرقتين أعظمها في طريق بني الحارث لقطع الغارة، والأخرى فيما بين الأكمة المذكورة وبين الروضة. وخاف مولانا أحمد من فرسان كانوا عنده من العجم الذين خرجوا إليه من عمران فلم يخرج.

قال أطال الله بقاه: فلما عظم الأمر خرجت بعد أن فرقت أولئك المتهمين وقد اعتاد مكانا يقف فيه حال الحرب، وقد بلغ جماعة من فرسانهم فكمنوا من وراء الروضة من الليل وخرج من في صنعاء لحربه، فلما صار في ذلك الموضع(1) حملوا من الكمين فوجدوه قد ارتفع منه ودافع الله عنه ومن حضر من المسلمين وعادوا خائبين.

قال: ثم جعلنا مراكز من أهل البنادق ترمي كل طائفة على الأخرى، وقد قلت خيلهم التي في جانبنا التي قاربتها البنادق التي من جانبنا، ولتوجه أكثر خيلهم للقاء الغارة التي من بني الحارث، وكان لبني الحارث قاعدة في مدة حروب صنعاء وهي في نحو ثلاث سنين إن غاراتهم تجتمع في أطراف بلادهم فإذا حضروا تفرق شيوخهم، وأهل الرأي منهم في أطرافهم يجمعونهم كردوسا واحدا لا يخرج واحد من واحد، والبنادق في أطرافهم فإذا حملت عليهم الخيل وهم كرة واحدة رموها بالبنادق وعردوها بالمعاريد ورجمها بعضهم فلا بد من هزيمتها مع ذلك حتى يفرجوا عن الروضة والجراف، وكان هذا دأبهم وظهر لهم بذلك ذكر فخيم ومقام كريم.

Page 393