Kitāb al-Arbaʿīn al-Mughniyya bi-ʿuyūn funūnihā ʿan al-Maʿīn
كتاب الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين
1089- فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا غلب على ظنه لحوقه به صار حلالا في الظاهر له ولمن يقلده، وقد يكون الورع تركه؛ لكون دليله غير خال عن الاحتمال، فيدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن اتقى الشبهات (فقد) استبرأ لدينه وعرضه))، أي: سلم دينه مما يفسده أو ينقصه، وعرضه مما يشينه ويعيبه، فيسلم من عقاب الله وذمه، ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثواب الله وثنائه، وقد يقوى الاحتمال فتقوى حينئذ الشبهة ويتأكد الورع. وأما ما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه: فهل يؤخذ بحله أو بتحريمه أو يتوقف فيه؟ فيه ثلاثة مذاهب معروفة، والتوقف أقوى في الورع، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
1090- ومثارات الشبهة التي هي مقتضية للورع على مراتب كثيرة، ولا بد لكل منها من دليل يدل عليه، ثم ذلك الدليل قد يعارضه دليل آخر، وقد يسلم من المعارض، وتقوى الشبهة، بحسب قوة ذلك وضعفه، فإذا كان أصل الشيء حلالا وهو مستصحب، ثم وقع الشك في تحريمه، فإن دل عليه دليل فهو مظنه الاجتناب والورع، وإن لم يقم عليه دليل أصلا فلا يلتفت إلى مجرد التجويز، بل يكون هذا الشك لا أصل له والورع عنه وسوسة.
1091- مثاله: أن يصيد ظبيا أو سمكة فيتورع عنه؛ لاحتمال أن يكون قد وقع في صيد أحد ثم انفلت (منه)، فهذا وهم مجرد ليس من الشبهة في شيء، فإن قامت قرينة تدل عليه، مثل: أن يجد في أنف الظبي أو في أذن السمكة حلقة، فهذا يدل قطعا على أنه وقع في ملك أحد، ثم إنه ليس يدري كيف خرج من يده؛ فالورع ههنا متوجه.
1092- وقد تكون القرينة أضعف من ذلك، ويستحب الورع أيضا، كما إذا كان في الظبي أثر يحتمل أن يكون كيا لا يتأتى إلا ممن ملكه، وصار في يده، وأن يكون جرحا أصابه من غير أن يقع في ملك أحد، والأصل هنا عدم وقوعه في الملك، ولكن الورع [ها] هنا ورع المتقين الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس)).
Page 621