الثاني: مسلّم، والأول محل النزاع) (١) .
فقوله ﵀ الثاني مسلّم: أي جنس الحوادث مسبوق بفاعله.
وقال ﵀: (كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقًا بالفاعل، وأن يكون مسبوقًا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلًا وأبدًا ... فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق) (٢) .
وحين يناقش المتكلمين الذين يفرقون بين الماضي والمستقبل، يبين ﵀ أن لا فرق بينهما، فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود، ولا هذا موجود الآن، فكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضيًا أو مستقبلًا أمر نسبي (٣)، وناقشهم في رأيهم بأن إمكان جنس الحوادث له بداية، بأنهم إذا أقروا بأن جنس الحوادث ممكن بعد أن لم يكن ممكنًا، فهذا دليل على ضعف حجتهم؛ لأن الإمكان ليس له وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الإمكان إلى الامتناع من غير حدوث شيء، ولا تجدد شيء، وهذا ممتنع في صريح العقل (٤) .
وأما اشتراطهم على دوام إمكان جنس الفعل والحوادث بكونها مسبوقة بالعدم، فهذا يتضمن الجمع بين النقيضين؛ لأن كون هذا لم يزل، يقتضي أنه لا بداية لإمكانه، وأن إمكانه قديم أزلي. وكونه مسبوقًا بالعدم يقتضي أن له بداية، وأنه ليس بقديم أزلي، فصار مضمون كلامهم: أن ماله بداية ليس له
(١) درء تعارض العقل والنقل ٩/١٥٣.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٧ - ٢٢٨.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٥١ - ٥٢.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٩ - ١٦٠.