198

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

دليل الإباحة، ولا يمكن أن تكون دليل الوجوب، فقد كان تورعه يدفعه إلى أن يلتزم أموراً يرى من الورع التزامها، فقد امتنع عن الولاية، ولم يحرمها، ولم يأكل من مال السلطان ولم يحرمه، وهكذا تتخذ أفعاله دليلاً على رأيه في الحكم الذي لا يقبل العقل احتمال سواه.

٨٦- وإجابته بحديث، أو فتوى صحابي دليل على أن هذه الإجابة رأيه ليس في ذلك شك، لأن ذلك الإمام الجليل مستحيل أن يختار رأياً يخالف الحديث والقرائن تدل على أن هذا الحديث ليس له معارض في نظره، وأنه مستقيم في الاستدلال به على حكم القضية التي يستفتي فيها، وإلا ما ساقه جواباً لها، ودليلاً عليها، وحاشاه أن يسوق ما لا يراه دليلاً.

وفتوى الصحابي عنده حجة يأخذ بها، ويرى وجوب ذلك، وإجابته بهذه الفتوى دليل على أنه لا يعارضها كتاب، ولا سنة، وأنها أولى بالأخذ إن كان ثمة ما يخالفها.

٨٧- أما إجابته بقول فقيه من الأئمة المجتهدين، واعتبار تلك الإجابة دليلاً على أنه يرى ذلك الرأي ويختاره، فقد اختلف علماء المذهب الحنبلي في ذلك، فبعضهم قال إنه يعتبر رأيه؛ لأنه ما اختاره إلا لرجحان دليله على مقتضى نظره، ولأنه رضي الله عنه كان ينهى عن تقليد الرجال، وإذا كان دليله قد رجح في نظره، فيكون مذهبه، ورأيه، وذكره منسوباً للإمام، لأنه سبقه إلى ذلك الرأي، ولا يريد أن يغمطه فضله أو ليستأنس به، ويبين أنه لم يكن رأيه بدعاً لم يسبق به. وقال آخرون لا يكون مذهبه لأنه قد ذكره، لأنه لم ينته في المسألة إلى رأي، فأحال المستفتي على قول فقيه غيره قد انتهى فيها، وما دام نظره فيه هو ذلك النظر لا يعد رأيه، ولا يصح أن ينسب إليه وقد قال مصحح الفروع في القول الأول: ((هو أقرب إلى الصواب، ويعضده منع الإمام أحمد من اتباع الرجال:

وإذا صحح الإمام أحمد حديثاً، أو قال إنه حسن فالأكثر من رواة المذهب على أن ما يدل عليه الحديث هو مذهبه؛ ولذلك إذا دون الحديث في كتبه

197