199

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ولم يذكر ما يدل على معارضته بحديث آخر كان ذلك مذهبه، وأن ذلك هو اختيار أبى بكر المروذى والأثرم، وهناك قول ثان، وهو ألا يكون مذهبه، كما لو أفتى بخلافه، وقد قواه صاحب تصحيح الفروع وقال:

((قلت هو قوى، لا سيما فيما دونه من غير تصحيح، ولا تحسين، ولا رد والله أعلم))(١)

٨٨- وقد ينقل عن الصحابة قولين، ويلقيهما في إجابة من غير أن يرجح أحدهما على الآخر بأي نوع من أنواع الترجيح، وفي هذه الحال يكون القولان منسوبين له، ويعدان من مذهبه، ولقد قال في ذلك ابن القيم: ((إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه، بل أعظم))(٢).

وهذا إذا روى قولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر بقوة السند، أو بالحديث، أو بالكتاب، أما إذا رجح، فإن رأيه هو الذي رجحه، وهل يعتبر من الترجيح التفريع على أحد القولين دون الآخر؟ في ذلك قولان: (أحدهما) أنه يكون مذهبه، لأن التفريع كإعلان تحسينه، أو ذكر تعليله، أو تقويته بأي وجه من الوجوه، وعدم التفريع على الآخر إهمال له، وذلك ترك صريح، أو كالترك الصريح، ولا يصح أن ينسب إليه قول متروك.

وثانيها - أنه لا يكون التفريع ترجيحا؛ لأن الترجيح بيان قوة السند أو الدليل أو تحسينه، وليس التفريع منها، ولقد قال مصحح الفروع في هذا القول: ((هو الصواب، ولكن سياق الفروع يدل على ترجيح الأول))

٨٩ - هذه طرق نقل الفقه الحنبلي، وطرق فهم ما جاء على لسان أحمد رضي الله عنه من أقوال وعبارات وروايات، وما جاء في فتاويه من أجوبة، وما كانت تفسر به أفعاله، وأولئك نقلة ذلك الفقه ومفسروه، وسنبين من بعد مخرجيه، وكيف كان التخريج، عند الكلام في الأدوار التي مر بها الفقه، أما هنا في هذا

(١) تصحيح الفروع = ١ ص ٨
(٢) ابن القيم = ١ ص ٢٣

198