Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
المقام، فأننا نقتصر على الرواية والنقل، وتفسير المنقول، ونترك تخريجه، والتصرف فيه إلى ما بعد.
وصف عام للفقه الحنبلي
٩٠ - يروى العليمي في بيان على الإمام أحمد رضي الله عنه ومنزلة فقهه أن عبد الوهاب الوراق قال: ((ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، فقالوا له، وأي شيء بان لك من فضله، فقال: رجل سئل ستين ألف مسألة، فأجاب فيها: حدثنا وأخبرنا)). وهذا الكلام يدل على أمرين: «أحدهما، كثرة ما أجاب عنه من مسائل فقهية، وقد أحصاها بستين ألفا، وهو عدد ضخم نميل إلى أنه مبالغ فيه، ولكنا مع هذا الميل، أو مع القطع بأنه مبالغ فيه نقرر أن أحمد سئل عن مسائل كثيرة جدا، فقد كانت خراسان وما وراءها، والعراق وفارس، وما حولهما لا يجدون مؤتمنا على الفتوى في عصره مثله، إذ اشتهاره بالورع وتقواه، وبلاؤه في اعتقاده وتورعه، كل هذا جعله مقصودا بالاستفتاء من كل البقاع الإسلامية، وكان يجيب، حتى لا يترك السائل إلى من يراهم مبتدعة.
فمهما نقرر المبالغة في العدد المذكور لا تمنع الكثرة في ذاتها، والمروى في ذاته كثير، وليس ثمة طعن ذو بال في صدقه.
- ثانيهما - أن فتاويه كانت تعتمد على أحاديث وأخبار، وآثار عن السلف الصالح رضي الله عنهم، وكان علمه بذلك واسعا مستفيضا، وثروته في علم الرواية كانت كبيرة جدا، فكانت تمده بما تقتضيه الفتيا، يفتى بقول الرسول، وأقضيته، وفتاوى الصحابة، ما لا يعلم فيه خلافا، ويختار ما اختلفوا فيه، وإن وجد الصحابة مختلفين، ولم يجد سببا للترجيح ترك المسألة ذات قولين، وإن لم يجد فتوى الصحابي، استأنس لرأيه بقول تابعي، أو بقول فقيه من الفقهاء الذين اشتهروا بعلم الأثر، كمالك
199