Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
والأوزاعي، وغيرهما؛ وهو في ذلك غير مقلد، بل هو مجتهد لا يريد أن يكون مبتدعاً، وما انفرد فيه بالاجتهاد ليس بالقليل، وإن كان رحمه الله تعالى يحب أن يكون مستأنساً برأي إمام حرصاً على دينه من أن يؤديه رأيه إلى الأغراب فيه، وما يراه يسير على منهاج الصحابة، لفرط تأثره بطريقهم، ولذلك قال ابن القيم في اجتهاده رضي الله عنه: إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه، وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتاويه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين، جاء عنه في المسألة روايتان))
٩١- ولحرص أحمد في فقهه على أن يكون بعيداً عن الابتداع في الدين كان لا يفتي إلا فيما يقع من الأمور، لأن الفتوى بالرأي لا يصار إليها إلا عند الضرورة ولا ضرورة تلجئ إلى الإفتاء فيما لا يقع في المسائل، إلا إذا كان في ذلك سنة أو فتوى صحابي، فإن الفتوى في هذه الحال ليست فتوى بالرأي، بل هي نشر لعلم السلف، وقد كانت فتواهم في أمور واقعة، ولذلك لم يكن عنده الفقه التقديري الذي أكثر منه أبو حنيفة، وتلاميذه، وعدوا هذا من الاستعداد للبلاء قبل نزوله، وقد وجد مثله في كتب الشافعي، فإنك ترى فروضاً كثيرة في المروي من كتبه رضي الله عنه، وذلك لاختبار أقيسته التي كان يضعها، والذي عد بها أول ضابط للقياس راسم لحدوده،
والفقه التقديري له مزاياه إن لم يكن ثمة إفراط فيه، إلى درجة فرض مسائل بعيدة الوقوع، غير متوقعة، بل غير متصورة الوقوع أحياناً، وذلك وقع من المتأخرين من أتباع الأئمة القياسيين، أما الفقه الحنبلي فلتجنب إمامه الفقه التقديري، واجتهاده في أن يكون فقهه أثراً أو كالأثر لم يفت إلا في الواقع، ولما فرع أتباعه من بعده الفروع على مذهبه، وقواعده التي استنبطوها، كان لابد من الفرض والتقدير لأن التفريع والتفقه لا يتم إلا بذلك، ولذلك سلكوا مسلك التقدير والفرض من غير أن يفرطوا ويوغلوا، ولقد قال ابن القيم في ذلك النوع:
((إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع، فهل تستحب إجابته أو تكره، أو بخير؟
200