Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
فيه ثلاثة أقوال. وقد حُكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لا يقع، وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة، قال: هل كان ذلك، فإن قال نعم، تكلف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية، وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة لم يُكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص، ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع، أو مقدرة لا تقع لم يُستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت، استُحب له الجواب بما يعلم، ولا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، حيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى(١).
فإذا كان أحمد قد امتنع عن الإجابة فيما لا يقع، حتى لقد نُقل عنه أبو داود أنه سئل عن مسألة من هذا النوع، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة - فقد كان مع ذلك أصحابه من بعده يفرعون، ولكن بقدر يتم به التفقه، ووضع ضوابط، وقواعد تسير مع منطق المذهب، ومسلكه العام في الاستنباط.
٩٢- وإذا كان أحمد لم يفرض ولم يقدر في الفقه، كما كان يفعل شيخ الفقهاء أبو حنيفة، فإن هناك ما كان يغنيه عن الفرض والتقدير، فقد كانت المسائل الواقعة يُسأل عنها من أقصى البلاد الإسلامية وأدناها، فمن خراسان وفارس والعراق والشام والحرمين الشريفين كان يُستفتى لأنه قد ابتلاه الله تعالى بالشهرة، فأحسن البلاء، وكان يجيب بما علم من آثار، ويلتجئ إلى الرأي والقياس، ولكن قياسه كان شبيها بالأثر، لأنه كان من مشكاته ومن ضوئه،
وإذا كان الإفتاء في الأمور المتوقعة يكسب الفقه ضبطا، وإحكاما في الصياغة، فإن الإفتاء في الأمور الواقعة يكسبه حياة وقوة، ولذلك كان الفقه الحنبلي المأثور حيا نضرا، ريان المحيا، فيه جلال السلف؛ إذ هو أثر أو من ينبوع الأثر، ولقد كان
(١) إعلام الموقعين = ٤ ص ١٩٣
201