203

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

أحمد لتمرسه بالآثار قوى الإدراك لما يشبهها فينطق به، لأن فكره تكون منه، وأشرب به، ومازج عقله وأطواء نفسه.

٩٣- ولا يظن القارئ أن اعتماد أحمد على الآثار في فقهه، لا يخرج عنها، إلا وهو مستضيء بضوئها، يجعل فقهه جامداً، أو بعيداً عن حاجة الحياة والأحياء، فإن الواقع غير ذلك، لأنه قد وجد في العبادات ما يسعفه بالنصوص الكاملة، وإن الأقيسة في العبادات لا يتسع لها الضمير الديني، كما يتسع للأقيسة في المعاملات، فكان الاستمساك بالآثار في العبادات يسير على ما ينبغي أن يكون عليه العالم الديني، أما في المعاملات الدنيوية فقد كان في التحريم والتأثيم يستمسك أشد الاستمساك بالنصوص والآثار السلفية؛ حتى لا يحرم ما أحل الله، ثم يترك الأمور التي لم يقم فيها دليل على التحريم على الإباحة أو في مرتبة العفو، أو بعبارة أدق، ما حرمه الله يثبت تحريمه، وما أحله الله بالنص، أو علم عن طريق السلف أو الرأي أنه أحله حكم بتحليله، وما لم يقم دليل من نص على حرمته أو حله، فهو مرتبة العفو، لا إثم فيه. ولقد قال ابن القيم في تقرير هذه الحقيقة:

((والأصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما أن الله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو، ورضي به وشرعه، وأما العقود والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه وتعالى على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب بما لم يشرعه. وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفواً لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو))(١).

٩٤- وقد كان ذلك الأصل الموسع، وهو جعل معاملات الناس على أصل العفو أو الإباحة، حتى يقوم الدليل من الشارع على التحريم - سبباً في أن كان المذهب

(١) إعلام الموقعين ١ ص ٣٠٠

202