204

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

الحنبلي أوسع المذاهب في إطلاق حرية التعاقد، وفي الشروط التي يلتزم بها العاقدان، فأقر من الشروط ما لم يقره غيره من الفقهاء، وسار في ذلك على منهاج أساسه احترام كل ما يشترطه العاقدان، والإلزام به، حتى يقوم دليل من الشارع على تحريم ذلك الاشتراط، أو بطلان الحقيقة الشرعية التي تتكون منه.

ولقد كان اعتبار الإباحة أصلاً، أو اعتبار كل ما لا دليل فيه من الكتاب والسنة طلباً أو منعاً هو في مرتبة العفو التي لا يؤاخذ بها الشارع سبباً في توسعة الأحكام الفقهية على الناس، فأخذ باستصحاب حال الإباحة أو العفو، أو البراءة الأصلية وكان فيها تسهيل على الناس، واتسع بسبب ذلك هذا المذهب الأثري الكريم لما لم تتسع له مذاهب أخرى قامت على الرأي والقياس؛ ذلك لأن الاستمساك بالنص والأثر، والتشديد فيهما كما كانا السبب في تصعيب الاستنباط الفقهي، كانا أيضاً سبباً في تصعيب التحريم، فكان باب المنع مضيقاً، كما كان باب الإيجاب غير موسع، وفي ذلك تسهيل كبير على الناس، وتوسيع لأفق التحليل، كما رأيت، وكما سنبين في العقود، فإن الذين وسعوا طريق الاستنباط في الشروط الجائزة والممنوعة دفعتهم أقيستهم لأن يقيدوا الشروط، فكان في ذلك ضيق في التعامل، أما المذهب الحنبلي الذي ضيق طريق الاستنباط في الشروط الجائزة والممنوعة، فلم تكن ثمة ذريعة لتقييد الشروط، فكانت الإباحة، وكان الإطلاق في الإلزام بالتراضي، والالتزام.

٩٥ - ولقد وجدنا أحمد بن حنبل قد كان يفتي بالمصلحة إن أعوزه النص أو الأثر المتبع، وذلك لأن المصالح قامت الدلائل الشرعية على اعتبارها، وتضافرت المصادر الإسلامية على ملاحظتها، فأخذ بها وسار فيها مسار مالك، وإن لم يعطها من القوة ما أعطاها مالك، ولم يجعلها تقف أمام النصوص، كما فعل المالكيون، كما أنه لم يحجم عنها، كما فعل الشافعيون، وغيرهم، نعم إنه وجد من الحنابلة من غالوا في اعتبار المصلحة، حتى وقفوا بها أمام النصوص، وخصصوها بها ولو أيدها الإجماع عليها، ومن هؤلاء الطوفي، ولعله هو وحده الذي وقف ذلك الموقف، ولكن ذلك لا يمثل الفقه الحنبلي على العموم، ولا يحكي رأي أحمد على الخصوص، وسنناقش

203