210

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

الاجمال؛ لأنه يتصل بلب الفقه الحنبلي، ولأحمد فيه كلام منسوب إليه، ذلك الأمر هو مرتبة السنة من القرآن، أهى متأخرة عنه، أم مساوية له في استنباط الأحكام. لا يقول أحد من العلماء إن السنة في مقام القرآن من حيث الاعتبار، بل العلماء مجمعون على أنها متأخرة عنه في الاعتبار؛ لأنه حجة الإسلام الأولى؛ والينبوع الأول، ولأن الاحتجاج بها ثبت منه لقول الله تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم))، ولقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا))، ولقوله تعالى: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حجية السنة، وإذا كان اعتبار السنة حجة قد ثبت بالقرآن، فهي بلا ريب متأخرة عنه في الاعتبار؛ إذ لولا القرآن ما اعتبرت حجة.

فكون السنة متأخرة عن القرآن اعتباراً، واستدلالاً أمر لا مرية فيه ولا اختلاف عند أهل النظر، وإنما موضع النظر هو في كون استخراج الأحكام من القرآن لابد فيه من السنة، إذ هي بيانه، وأنه من حيث دلالته على ما فيه من أحكام، تعتبر هي المبينة له، لقوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)).

لقد وجدنا الحنفية والمالكية يستخرجون الأحكام من الكتاب، ويعرضون آحاد الأحاديث على الكتاب، فما كان منها متفقاً مع الكتاب قبلوه، وما لا يتفق مع الكتاب، أو يخص عامه ردوه، يفعل الحنفية ذلك، ويقع من المالكية ذلك أحياناً كما كان منهم إذ ردوا حديث ولوغ الكلب في الإناء لمعارضته لظاهر القرآن، وغير ذلك.

ووجدنا الشافعية يجعلون السنة بياناً للقرآن، فيما كان ظاهر القرآن مخالفاً لسنة لا ترد السنة، بل تخصص ظاهر القرآن، ويفهم القرآن عن طريقها، وهي بيانه المبين، ومفسره، حتى لقد عبر بعض الفقهاء عن هذا المعنى بأن السنة حاكمة على القرآن، من حيث إنها طريق تفسيره، والسبيل لبيانه، وإنها تفصل مجمله، وتبين

م ـــ ١٤

209