Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الناسخ من المنسوخ من القرآن، وتقيد المطلق، وهكذا؛ ولذا يجعلهما الشافعي في الاستدلال مرتبة واحدة، لأن الثانية مبينة للأول، وإن كان الاعتبار الأول للقرآن ونسارع، فتقرر أن أحمد بن حنبل ينظر ذلك النظر، وأن ابن القيم كان صادفًا تمام الصدق في ذكر استنباط أحمد رضي الله عنه عندما قرر أن الأصل الأول هو النصوص، ولم يقدم نصوص القرآن على نصوص السنة في البيان للأحكام، وإن كانت مقدمة في الاعتبار والاستدلال كما ذكرنا. ولأن ذلك النظر من لب النظر الحنبلي، يوضح القول فيه ونفصله.
١٠٠- لقد شدد أحمد رضي الله عنه في اعتبار السنة النبوية مفسرة تفسيرًا صحيحًا للقرآن الكريم، ولم يفرض أن يقع تعارض بين ظاهر القرآن والسنة، لأن ظاهر القرآن يحمل على ما جاءت به السنة، فهي مبينة، وهي الحاكم المفسر لما اشتمل عليه من فقه وأحكام، ولقد ألف كتابًا في الرد على من أخذ بظاهر القرآن، وترك السنة، ولقد جاء في مقدمة كتابه هذا ما نصه:
((إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره، وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاه الله لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب؛ فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ساق أحمد بعد ذلك آيات كريمات كثيرة تدل على وجوب إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرد على من يقدمون ظاهر القرآن على السنة.
١٠١- وإن هذا الكلام يدل على ثلاثة أمور:
(أحدها) أن ظاهر القرآن لا يقدم على السنة، وذلك صريح قوله.
(وثانيها) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يفسر القرآن، وليس
210