213

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

١٠٢ - هذه استطرادة جرنا إليها وقوف الامام أحمد ابن حنبل فى فهم القرآن عند نصوص مأثورة عن السلف إن لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.

وإنه إذ يقرر ذلك لا يرى أن ظواهر القرآن ترد السنة، بل إن السنة هي التي تعين دلالتها، فلا يمكن أن ترد السنة لمعارضة عموم القرآن لها، بل يحمل عام القرآن على خاص السنة، ومطلقه على مقيدها، ومجمله على مفصلها.

ولقد قسم ابن القيم السنة بالنسبة للقرآن، إلى ثلاثة أقسام، وقال في ذلك، «السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: (أحدها) أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.

(الثاني) أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، وتفسيرا له.

(الثالث) أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته، ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل هو امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله. وكيف يمكن أحدا من أهل العلم ألا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب» (١).

١٠٣ - وننتهي من هذه النقول إلى أن الإمام أحمد رضي الله عنه والحنابلة من بعده لا يرون أن ظاهر القرآن لا يفسر إلا بالسنة لتعيين أحد الاحتماليين، وإذا لم يكن في موضوعه سنة مأثورة أخذ بظاهره، لأنه لا يوجد ما يتعارض مع ذلك الظاهر، ولا يرجح أحد احتماليه.

وإن من الظاهر لفظ العام، فإن ألفاظ العموم كما يقول المالكية ظاهرها الدلالة على العموم، ويفسر الكلام على ذلك الظاهر، إلا إذا وجد من السنة ما يدل على الخصوص، فإن العام يحمل عليه، وعلى ذلك فالسنة سواء أكانت أحاديث مستفيضة

(١) إعلام الموقعين ج٢ ص ٢٣٢

212