214

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

أو متواترة أم كانت أحاديث آحاد، فإنها تخصص عام القرآن، وتقيد مطلقه، وتفصل مجمله؛ لأن ذلك بيان، فلا يكون التعارض بين السنة والقرآن، حتى يقدم أقواها ثبوتًا، وهو القرآن على حديث الآحاد، إذ لا تعارض حينئذ، بل بيان

من أجل هذا النظر اعتبرت السنة عند أحمد حاكمة على القرآن من حيث هي بيانه، ومقررة أحكامه، ولقد فصل الشاطبي معنى قضاء السنة على الكتاب. فقال:

((السنة عند العلماء قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة؛ لأن الكتاب يكون محتملاً لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة، ويترك مقتضى الكتاب، وأيضًا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرًا فتأتي السنة، فتخرجه من ظاهره... وحسبك أنها تقيد مطلقه، وتخص عمومه، وتحمله على غير ظاهره. فالقرآن آت بقطع اليد، فخصت السنة ذلك بسارق النصاب المحرز، وآت بأخذ الزكاة من جميع المال ظاهرًا، فخصته بأموال مخصوصة، وقال تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم، فأخرجت السنة من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها)) (١).

١٠٤ - هذا مذهب أحمد رضي الله عنه في بيان القرآن الكريم، لا يستقيه إلا من السنة، وهو مسلك الشافعي رضي الله عنه قد أثبته في رسالته، ولعل ذلك النحو هو الذي أعجب به أحمد رضي الله عنه، عندما سمع الشافعي لأول مرة يلقي دروسه في مكة، فقد روي أن تلك الدروس كانت في بيان الناسخ والمنسوخ، وطرائق ذلك، ولعل هذا إنما أعجب أحمد رضي الله عنه، لأنه يرضى نزعته الأثرية، ويوافق ما في نفسه من اعتبار السنة مفسرة لهذا الدين، ولعلنا لا نذهب بعيدًا إذا استعنا في توضيح المذهب الحنبلي في هذا بما وضح به الشافعي رأيه، وهو نفس هذه الطريقة.

لقد قسم الشافعي ما جاء في القرآن إلى قسمين (أحدهما) لا يحتاج إلى بيان مثل آية اللعان، فإن فيها البيان من حيث حقيقة اللعان وعدده، وموضعه، وإن لم تذكر النتائج المترتبة عليه، وقد بينتها السنة النبوية، ومنها آية الصوم، فقد بينته

(١) = ٤ ص ٩

213