Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
أم كان كثيرا، ومهما يكن نوع المسروق، ولكن سن رسول الله ﷺ أن لا قطع في ثمر، ولاكثر (١)، وألا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار فصاعدا، فكان لفظ القرآن عاما، وظاهره الدلالة على العموم، وأريد الخصوص بتخصيص السنة، وهو أنه لا قطع إلا من سرقة محرز، وبلغت سرقته ربع دينار.
ومن العام الذي جاء في القرآن وأريد به الخاص آية المواريث، فقد قال تعالى: ((يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف، ولأبويه)) لكل واحد منهما السدس مما ترك، إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس)) ثم قال تعالى ((ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين، غير مضار وصية من الله، والله عليم حليم))
وهذه الآيات بظاهر عمومها تفيد أن الوصية مقدمة على الميراث أيا كان مقدارها، جاءت السنة، وبينت أن الوصية التي تقوم على الميراث هي الوصية التي لا تزيد عن الثلث، فكانت الآيات بذلك مخصصة أريد بها كلها الخاص، وإن كان اللفظ عاما.
- ١٠٥ - قد بينا في هذا الجزء من بحثنا أن أحمد يجعل السنة مفسرة لظاهر القرآن. وأنها مبينة لمعناه، وأن أحاديث الآحاد ترتفع إلى مرتبة تخصيص عام القرآن، وأن ذلك في الواقع قد يعد هو فيصل التفرقة بين الفقهاء الذين غلب عليهم الرأي، والفقهاء الذين غلب عليهم الأثر، فإن الذين غلب عليهم الرأي لا يأخذون بأخبار الآحاد في مقام تعرض له القرآن، ولو بصيغه العموم، إذ يجعلون عمومات القرآن في عمومها، ولا يجعلون خير الآحاد في مرتبة تخصيصها، أما الفقهاء
(١) الكثر بفتحتين جمار النخل
215