217

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

الذين غلب عليهم الأثر فيخصصون عام القرآن بالخبر مطلقا، وقد وضح منزعهم الشافعي في رسالته، وأحمد في كتابه الناسخ والمنسوخ، وابن تيمية وابن القيم فيما كتبا من كتب تعرضت لذلك، كمنهاج السنة لابن تيمية، وإعلام الموقعين لابن القيم.

وقد شرحنا ذلك من ناحية أصوله الفقهية في كتاباتنا في الأئمة الثلاثة، رضوان الله تعالى عليهم.

ولكن وقد بينا وجهة نظر فقهاء الأثر فيما سقنا من بيان، نشير إلى ما اعتمد عليه فقهاء الرأي من قول مأثور، ومنهاج مسلوك، نسبوه إلى الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم.

فقد قالوا في تبرير ردهم الأحاديث بعموم القرآن: إن أبا بكر جمع الصحابة وأمرهم أن يردوا كل حديث مخالف للكتاب، وعمر رضي الله عنه رد حديث فاطمة بنت قيس في المبتوتة أنها لا تستحق النفقة، وقال لا نترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت(١). وردت عائشة تعذيب الميت ببكاء أهله، وتلت قوله تعالى ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)).

ومن هذا ترى أن فقهاء الرأي الذين لا يقبلون الأحاديث إلا بعد عرضها على المحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لا يحتاج إلى بيان، قد اعتمدوا في منهجهم على الصحابة أبي بكر وعمر وعائشة، وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم. وحاكوهم في منهاجهم، ولم يباعدوا عن سمتهم، فما كانوا مبتدعين، ولكن كانوا متبعين،

- ١٠٦ - وإنا وقد قررنا إجمالا طريقة أهل العراق، وهو اعتمادهم على القرآن وظواهره، ونصوصه أكثر من اعتمادهم على أخبار الآحاد، وأنهم لا يقبلون خبر الآحاد في مقام بينه القرآن، ولو بلفظ عام، نذكر في هذا المقام فقيها جليلا، يعد إماما في السنة، وهو مالك فقد قارب فقهاء العراق في عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب، وهو بالنسبة لعام القرآن قارب العراقيين، وإن لم يسلك كل مسلكهم

(١) وكتاب الله الذي يخالف الحديث هو ما جاء في سورة الطلاق من وجوب نفقة العدة ويلاحظ أن أحمد أخذ بحديث فاطمة هذه.

216