218

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ذلك أن مالكا يختلف عن فقهاء العراق في نظره إلى عام القرآن، فيحكم بأن دلالته من قبيل الظاهر أي ظنية ويتفق معه في ذلك الشافعي وأحمد، ولكنه لا يلبث حتى يفترق عنهما؛ لأنه لا يجعل حديث الآحاد مخصصا أو معارضا لعام القرآن في كل الأحوال، بل وجدناه أحيانا يجعل له ذلك، وأحيانا يرده لعموم القرآن.

فقد وجدنا إمام دار الهجرة يأخذ بالقرآن الكريم، ولو كانت دلالته من قبيل الظاهر، والعام، فقد رد خبر: ((نهى محمد صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي مخلب من الطير، إذ مشهور مذهب مالك إباحة كل الطيور، ولو كانت ذات مخلب، وأخذ في ذلك بعموم قوله تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير))، وترك الحديث وضعفه لهذه المعارضة.

أما حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فقد أخذ به، وحمله على الكراهة، لا على التحريم، فكانت الآية على ظاهرها، هذا ما ذكره المالكية منسوبا لمالك، ولكن في الموطأ تحريم كل ذي ناب من السباع أخذا من صريح الحديث.

وقد وجدناه أيضا يحرم أكل الخيل لظاهر القرآن الكريم: ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة))، فلم يذكر طعامها فكان ظاهر القرآن تحريمه، وقد ورد صريح بعض الأحاديث يحللها.

وقد قدم السنة على ظاهر القرآن الكريم في الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، إذ قد جعل الحديث الوارد في ذلك مخصصا لعموم قوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم))، فتبين من هذا أنه في بعض الأحوال يجعل الحديث معارضا لظاهر القرآن، ويخصصه، وفي بعضها يرد خبر الآحاد بظاهر القرآن، وقد اهتدى المالكية على ضوء الاستقراء إلى أن مالكا يقدم ظاهر القرآن على السنة، وهو في ذلك كأبي حنيفة، إلا إذا عاضد السنة أمر آخر من قياس أو عمل أهل المدينة، فإنها في هذه الحال تعتبر مخصصة لعموم القرآن، أو مقيدة لإطلاقه، فإذا عاضد السنة عمل أهل المدينة كما في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، فإنه قد أخذ بالسنة فيه مع مخالفته لعموم القرآن لأن عمل أهل المدينة كان على ذلك، ولذا جاء في الموطأ بعد حديث النهي عن أكل كل ذي ناب ((وهو الأمر عندنا))، وهذا يفيد أن أهل المدينة على ذلك.

217