Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
وكذلك الشأن في حرمة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، فإن الإجماع وفيه أهل المدينة قد انعقد على ذلك، فكان مزكياً للسنة فكانت مخصصة لعموم آية، ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)).
وإذا لم تعاضد السنة بعمل لأهل المدينة، أو قياس، فإن النص يسير على ظاهره، ويرد خبر الآحاد الذي يعارض ذلك الظاهر، أما الحديث المتواتر أو المستفيض، فإنه يرتفع إلى مرتبة نسخ القرآن، فبالأولى يرتفع إلى تخصيص عامه وتقييد مطلقه، وترجيح بعض الاحتمال في ظاهره، وذلك إعمال للنصين، وأخذ بهما.
وقد وجدنا مالكاً أخذ بظاهر القرآن، وترك خبر الآحاد في مسألة ولوغ الكلب في الإناء، إذ رد خبر ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، إحداهن بالتراب))، لظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ((وما علمتم من الجوارح مكلبين))، إذ إباحة ما يصطاده تدل بظاهرها على طهارته، فرد خبر الآحاد الذي يدل على نجاسته
هذا نظر مالك إلى عموم القرآن مع السنة، وهو يتقارب مع فقهاء العراق ولا يبتعد عنهم إلا قليلاً.
١٠٧- وهذه أنظار العلماء في خبر الآحاد مع عموم القرآن، يرد الحنفية كل خبر آحاد يخص عموم القرآن، إلا إذا خص العموم من قبل، ويقاربهم مالك فيرده إن لم يعاضد بعمل أهل المدينة أو قياس، ويخالفهم الشافعي، فيعتبر كل خبر صحيح مفسراً لعموم القرآن، ويخصه، ويعتبر ذلك تفسيراً، وبياناً لمراد الله سبحانه
وكذلك يعمل أحمد رضي الله عنه، ويسير على ذلك المنهاج الذي وضحه الشافعي، ولقد قال ابن القيم في مناصرة رأي أحمد والشافعي:
((لو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية، فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا يمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول هذه السنة مخالفة لهذا العموم، أو هذا الإطلاق، فلا يقبل، وهؤلاء الروافض ردوا حديث:
218