Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
٢ - السنة
١٠٨ - هذا هو الأصل الثاني من أصول الإمام أحمد، وبعبارة أدق هذا هو الشطر الثاني من الأصل الأول عند ذلك الإمام، فقد علمت أن ابن القيم عندما حكى أصول أحمد اعتبر النصوص الصحيحة المسندة أصلاً واحداً، جعل الكتاب والسنة الصحيحة المتصلة أصلاً واحداً، وقد تبينت حكمة ذلك من البيان الذي قدمناه، إذ السنة بيان القرآن، فكانت متممة له، ولا يفرض تعارض بينهما؛ لأنها مفسرة له، ومؤولة إذا تعارض ظاهرة معها.
وإن هذا لا يتنافى مع جعل القرآن الأصل الأول في الاعتبار؛ لأنه المبين لمقدار الاحتجاج في السنة، والأصل الذي تقوم عليه الشرائع الثابتة بها، والتقدم في الاعتبار لا ينافي التلاقي بينهما في بيان أحكام الشريعة من غير تعارض.
ولقد وضح الشاطبي تقديم القرآن في الاعتبار على السنة فقال:
((رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، والدليل على ذلك أمور.
(أحدها) أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة،
((الثاني أن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة عليه، فإن كانت بياناً فهي ثان على المبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم، وإن لم يكن بياناً، فلا تعتبر زائدة، إلا بعد أن لم تكن في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب))
(الثالث) ما دل على ذلك من الأخبار والآثار كحديث معاذ: ((بم نحكم؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول؟ قال فإن لم تجد قال اجتهد رأيي ... الخ.(١)
(١) الموافقات ج ٤ ص ٧
220