Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
١٠٩ - وتقدم الكتاب في الاعتبار بهذا مع كونهما أصلاً واحداً، وتقديم الكتاب في الاستدلال كما جاء في حديث معاذ إنما هو من قبيل تناول الأسهل الأقرب الثابت، فإن القرآن ثابت ثبوتاً لا مجال للشك فيه، أما السنة فقبولها يحتاج إلى تحر واستيثاق، وتلق من مصادر مختلفة، حتى يصل بها إلى مرتبة التواتر، أو الشهرة والاستفاضة، أو الاكتفاء بمصدر واحد، وتحري أمانته، وصدقه في النقل، وضبطه فيما ينقل، ولا يصح الاتجاه إلى ذلك الأمر الذي يشق مادام في القرآن حكم صريح، أما السنة الثابتة فإنها تدرس مع القرآن، وعند تعرف الحكم منه يستعان بها في ذلك، فإنها البيان والشرح، والمكمل أو المفصل لشرائعه.
١١٠ - وإنه من الحق علينا، ونحن ندرس أمام السنة في دار السلام، والذي استمسك بها من وقت أن شدا في طلب العلم إلى أن لقي ربه - أن نذكر فوق ما ذكرنا مقام السنة في الفقه الحنبلي بجوار الكتاب بتفصيل قليل؛ موضحين في ذلك نظر أحمد الذي أجملناه آنفاً، عند الكلام في الكتاب، وعند موازنتنا بينه وبين غيره في معارضة السنة لظواهر القرآن؛ وتفسيرها له، أو تأويلها لظاهره.
لقد قرر أحمد رضي الله عنه في كلام كثير من المأثور عنه أن طلب علم الكتاب يكون عن طريق السنة، وأن طلب هذا الدين يكون عن طريق السنة، وأن السبيل المعبد لطلب فقه الإسلام، وشرائعه الحق يكون عن طريق السنة، وأن الذين يقتصرون على الكتاب من غير الاستعانة بالسنة في بيانه، وتعرف شرائعه يضلون سواء السبيل، ولا يهتدون إلى الحق القويم، وذلك لأمور كثيرة.
أولها - أن نصوص القرآن الكريم واردة بوجوب طاعة الرسول صلوات وسلامه عليه، وليست طاعته إلا باتباع سنته، وإن الاحتكام إلى الرسول في حياته وإلى المروي عنه بعد وفاته أمر ثابت في الدين، ولذلك قال الله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون، حتى يحكموك فيما شجر بينهم، وهذه الآية يقول الرواة إنها قد نزلت عندما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام، إذ اختلف مع أنصاري أيهما يسقي أولاً من شراج الحرة، فقد خاصم الأنصاري الزبير إلى رسول الله، وكانت أرض
221