225

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته لما هاجر إليه))

والحديث المتواتر يوجب العلم اليقيني، وقد قال الكثرة من العلماء، إن العلم الحادث من المتواتر، كالعلم الناشىء من العيان. وقالت طائفة إن المتواتر من الأخبار يوجب علم طمأنينة لا يقين، ومعنى الطمأنينة أن يحتمل الوهم أو الشك، ولكن يكون الاحتمال من غير أصل يعتمد عليه، بل مجرد احتمال عقلي من غير سند. وقد قال في توجيه رأيهم إن المتواتر صار جمعا بالآحاد، وخبر كل واحد محتمل للكذب حال الانفراد، وبانضمام المحتمل إلى المحتمل لا ينقطع الاحتمال، إذ لو انقطع الاحتمال، واستحال الكذب حال الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، إذ ينقلب الكذب الذي كان جائزا - مستحيلا، وذلك باطل، فما يؤدي إليه باطل، وهو انقطاع احتمال الكذب.

ولقد يؤيد ذلك التفكير المنطقي الواقع العملي، فقد وجدنا جماعات تتفق على قبول أخبار غير صادقة، وتتواتر بين جموعها، ويتلقاها الخلف عن السلف مع بطلانها، وقيام الدليل على كذبها.

وقد احتج الجمهور لقولهم (وهو أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني كالعلم بالعيان) بأن الناس تواضعوا على ذلك بمقتضى فطرهم، فإن الناس يعرفون آباءهم بالأخبار المتواترة، كما يعرفون أبناءهم بالعيان، ويعرفون بالتواتر نشأتهم صغارا، ثم صيرورتهم كبارا، كما يرون ذلك عيانا في أولادهم، ويعرفون جهة الكعبة بالخبر المتواتر، كما يعرفون جهات منازلهم بالعيان.

وقد أثبت التحقيق المنطقي صحة ما تواضع الناس عليه منذ القدم، وذلك لأن الناس خلقوا على مشارب متباينة، وطبائع مختلفة لا يتفقون، فإن اتفقوا في خبر، فأما عن سماع أو اختراع، واتفاقهم على الاختراع باطل؛ لأن كثرتهم وعدم إحصائهم تحيل اتفاقهم فيما يخترعون، فلم يبق إلا أن الاتفاق كان مبنيا على السماع، وبذلك يثبت العلم قطعا بالخبر المتواتر.

والأحاديث المتواترة حجة بإجماع علماء المسلمين، إلا من لا يؤبه بقوله ممن

224