Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
بدليل ظني فيه شبهة، أما العمل، فيبنى على الرجحان، ويكفي فيه نفي الاحتمال الناشئ عن دليل، لا نفي مطلق احتمال، وكون الراوي عدلاً ثقة يغلب جانب الصدق على جانب الكذب، فيكون احتمال الكذب غير ناشئ عن دليل، واحتمال الصدق يؤيده الدليل، فيكون العمل على مقتضاه، هكذا يسير الناس في أقضيتهم، وهكذا يسيرون في معاملاتهم أو عملهم، ولو كانت الأحكام والأعمال لا تستقيم إلا إذا بنيت على أدلة لا شبهة فيها لتعطلت الأحكام، وما استقامت أمور الناس، وما قضي بحق، ولا دفع باطل.
- ١١٥ - هذا رأي الجمهور في حديث الآحاد يأخذون به في العمل دون الاعتقاد، فهل يسلك أحمد ذلك المسلك، فيرده في الاعتقاد، ويقبله في العمل؟
إن الدارس للآراء التي أعلنها أحمد في العقائد، وفيما عليه السلف الصالح، وفي منهاج السنة في رسائله وإجاباته عما كان يسأله عنه أهل عصره يجدها تدل على أنه كان يقبل أحاديث الآحاد في الاعتقاد، ويسير على مقتضاها. ولا يقتصر في الأخذ بها على العمل، فالإيمان بعذاب القبر، والإيمان بمنكر ونكير، والإيمان بالحوض والشفاعة والإيمان بأن الموحدين يخرجون من النار بعد أن امتحنوا بها، كل هذا أخذه من الأحاديث، وهي أخبار آحاد، فدل ذلك على أنه لفرط تورعه يسلم بكل ما جاءت السنة في اعتقاده وعمله معاً.
وإنه ليقول في رسالته إلى مسدد بن مسرهد البصري: «الميزان حق، والصراط حق ... والإيمان بالحوض والشفاعة حق، والإيمان بالعرش والكرسي، والإيمان بملك الموت، وأنه يقبض الأرواح، ثم يرد الأرواح إلى الأجساد، والإيمان بالنفخ في الصور، والدجال خارج في هذه الأمة، وينزل عيسى بن مريم فيقتله» (١).
وهذه الأمور أكثرها ثابت بأخبار آحاد.
وإن أحمد رضي الله عنه قد أشربت روحه حب النبي وأصحابه، فصار كل ما يسند إليه لى الله عليه وسلم بسند يرتضيه يقبله، ويستولي على نفسه، ويتغلغل في إحساسه
(١) ص ١٦٩ من المناقب لابن الجوزي.
226