229

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

إذ المذاهب الأربعة على قبوله، وبعضهم قبله بإطلاق، وجعله في مرتبة المسند على سواء، وبعضهم قبله بإطلاق، ولكن أخره عن المسند، وبعضهم مع تأخيره عن المسند قيد قبوله بشروط أوجب تحققها فيه، وذلك هو الشافعى.

فأبو حنيفة رضي الله عنه قبل المرسل إذا كان الذي أرسل صحابياً، أو تابعياً بأن لم يذكر الصحابي الذي روى عنه، أو تابعاً للتابعين؛ بأن لم يذكر التابعي الذي روى عنه، أما الإرسال من بعد تابع التابعين، فغير مقبول، كما تقول كتب الحنفية ومالك رضي الله عنه يقبل المرسلات ويقبل البلاغات، ويفتي على أساسها مع أنه هو الذي كان يتشدد في قبول الرواية، وذلك لأنه كان يقبل المرسل من الرجل الذي يثق به، وينتقيه، فهو كان يتشدد في البحث عن الرجل الذي يكون ثقة، فإذا كان مستوفياً لكل شروطه اطمأن إليه، وقبل منه سنده، ومرسله، وبلاغاته، فالتشدد في الاختيار هو سبب الاطمئنان، وقبول الإرسال.

فليس قبول مالك وأبي حنيفة للإرسال دليلاً على التساهل في الرواية، وليسوا يجيزون الإرسال من كل شخص ويقبلون الإرسال من أي شخص؛ بل يقبلون إرسال الثقات الذين عرفوهم متصفين بالصدق، وأنهم إن أرسلوا فعن بينة، وعن ثقة، وربما كان إرسالهم سببه شهرة ما يروونه، وكثرة من أخذوه عنهم، ولقد صرح بذلك بعض التابعين، فالحسن البصري يقول: ((كنت إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالاً))، ويقول: ((متى قلت حدثني فلان، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سمعته من سبعين أو أكثر))

ولقد روي أن الأعمش قال: ((قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثاً عن عبد الله فاسنده لي، فقال: إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت: قال عبد الله، فقد رواه لي غير واحد))

ويظهر أن الإرسال كان هو الكثير بين التابعين، وتابعي التابعين، قبل أن يكثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كثر اضطر العلماء إلى الإسناد، ليعرف الراوي، فتعرف نحلته، ولقد قال في ذلك ابن سيرين من التابعين: ((ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة.

228