230

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

لهذا كله قبل مالك وأبو حنيفة الإرسال في الحدود التي لاحظناها، ويظهر من تتبع موطأ مالك، وكتب الآثار المتصلة في إسنادها إلى أبي حنيفة أن المرسل عندهما في مرتبة خبر الآحاد، فعند تعارضهما يرجح بينهما بطرق الترجيح التي تتبع عند تعارض خبرين، قوتهما من حيث النسبة المجردة واحدة، وإذا كنا قد وجدنا نظرا مختلفا عند أتباع هذين الإمامين من بعد، فإن هذا رأيهما ونظرهما

هذا رأي الذين قبلوا المرسل من الأئمة بإطلاق، ولم يشترطوا إلا الضبط والعدالة فيمن يروي إليهم.

أما رأي الشافعي، وهو الذي لم يضع المرسل في مرتبة المسند ولم يقبله بعد تنزيل رتبته إلا بقيود، فلأنه أستاذ أحمد نبين رأيه بعض التبيين؛ لأن بيانه بيان لرأي تلقاه أحمد، وكان موضع دراسة له، وقبله أو تأثر به.

إن الشافعي يقبل المرسل من الأحاديث في الجملة، ولكنه يشترط لقبوله شرطين أحدهما في المرسل، وثانيهما في الحديث المرسل، فهو يشترط في الراوي المرسل أن يكون تابعيا، ومن كبار التابعين الذين التقوا بعدد كبير من الصحابة، كسعيد بن المسيب والحسن البصري، فهو لا يقبل من التابعين الذين لم يلتقوا بكثير من الصحابة.

وأما الشرط الذي يشترطه في الخبر المرسل ليقبله فهو أن يكون له شاهد يزكي قبوله، وذلك بواحد من أمور أربعة:

- أولها - أن يكون الحفاظ الثقات المأمونون قد رووا معناه مسندا إلى النبي ﷺ، فإن ذلك شهادة بصحة الخبر الذي أرسل، وعندي أن الحجة حينئذ تكون في معنى ما رووا، وهو مروي بسند متصل.

- ثانيها - أن يشهد له مرسل آخر غيره روى بغير طريقه، فإن وجد ذلك كان مسوغا لقبولهما، لمعاضدة بعضهما للآخر، ومرتبة هذه الشهادة دون الأولى، لأن معاضدة المسند أقوى من معاضدة المرسل.

- ثالثها - أن يشهد له فتوى أو قول الصحابي من أصحاب رسول الله ﷺ فإن هذه الموافقة دليل على أن المرسل له أصل معتبر عند الصحابة، أو بعضهم

229