Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
وإنما أفتى به في حال الضرورة؛ لأنه لا يريد أن يفتى في الدين بشيء من عنده، وعنده أثر يستأنس به، فهو يأخذ به، مادام ليس له إمام من الصحابة يفتى بفتواه. وبذلك نستطيع أن نقول إن أحمد لم يكن متسامحًا في قبول المرسلات أكثر من شيخه الشافعي، بل كان لها أكثر ردًا؛ لأنه وضعها في سجل الأحاديث الضعيفة، وإن أفتى بها عند الضرورة، فلأنها مثلها.
- ١٢٠ - وهنا نلاحظ تدرجًا زمنيًا في قبول المرسلات، والأحاديث المنقطعة، والاحتجاج بها، فإنه كلما كان الإمام أسبق زمنًا كان أكثر قبولًا للمرسل فأبو حنيفة ومالك والأوزاعي، وسفيان بن عيينة وغيرهم ممن عاصرهم كانوا يقبلون مرسلات الأحاديث، ولا يشترطون إلا الثقة بمن ينقل إليهم، ويحكون عنه، فلما جاء الشافعي وجدناه قد شدد في شروط قبوله، ووضع القيود، وضبط الضوابط، واشترط الشهادات المزكية، حتى إذا جاء أحمد وضعه في سجل الأحاديث الضعيفة، وقبله في حال قبولها، وشيخه قدم عليه المتصل بإطلاق، وهو قدم عليه فتوى الصحابي ولما جاء المحدثون من بعد أحمد كانوا بالنسبة للمرسلات أكثر ردًا، فضعفوها، ولم يأخذ أكثرهم بها.
ولم كان ذلك التدرج الزمني؟ الجواب عن ذلك واضح من مطوي ما قلناه فإنه كلما كان الزمن أقرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كان المجهولون الذين لم يذكروا أقرب إلى فرض الثقة، ولأن الرواة الذين ذكروا الحديث من غير أن يذكروهم أهل للثقة بهم، والاطمئنان إلى أنهم لا ينقلون إلا عن ثقات عدول ضابطين؛ وما كان في الإمكان بعد أن تعددت الطبقات بين الفقهاء والنبي صلى الله عليه وسلم، كما في عصر أحمد والشافعي أن يطمئنوا ذلك الاطمئنان، وأن يثقوا بحال الذين لم يذكروا تلك الثقة.
وننبه هنا إلى أن أحمد رضي الله عنه لم يكن يشترط في الرواة الذين يتلقى عليهم ويأخذ عنهم بالشفاه والكتابة ما كان يشترطه أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما من الضبط، ولذلك ما كان له أن يطمئن إلى من لا يذكرون - اطمئنانهم.
١٢١ - ولننتقل بعد ذلك إلى بيان ما كان يشترطه أحمد في الرواة، ومقداره
231